محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٧١

نسجّل هنا ـ للأمانة التّاريخية والإنصاف ـ أنّه كانت كلّ مرحلة من مراحل النّضال: " تستفيد من سابقتها: اقتراحًا لأساليب في الكفاح، وتداركا للأخطاء، التي ارتكبت، وتصحيحًا لبعض المفاهيم، حتّى جاءت ثورة التّحرير الكبرى، التي استفادت من الأعمال السّابقة، والتّعبئات المتقدّمة؛ فبنت قاعدة ثوريّة متينة، انطلق منها الشّعب بكلّ حماسة ليسترجع سيادته الوطنيّة، بعد حرب ضروس وتضحيّات جسام."(1)

إذن ولدت جبهة التّحرير الوطني في ظروف حاسمة، وبعد أحداث متتالية، انصهرت فيها أغلب الأحزاب الوطنيّة، وما بقي انضمّ فيما بعد. هذه الجبهة تتبنّى تفجير الثّورة ليلة الفاتح من نوفمبر 1954م، الموافق للخامس من ربيع الأوّل 1373هـ.

إذا كان السّياسيون قد قاموا بالدّور الكبير في الإعداد للثّورة على الظّلم، والتّحرّك لاسترجاع الحريّة المغصوبة، فإنّ الكلمة المسؤولة، والشّعر بخاصّة قام - بدوره - بمهمّته في التّحضير لهذه الثّورة الكبرى، قام بالتّعبئة العامّة، وإذكاء الحماسة في النّفوس، وإثارة النّخوة في القلوب، وشحذ الهمم أكثر للانتفاضة العارمة.

يقول الدّكتور صالح الخرفي، وهو يسجّل حضور الشّعر بقوّة ووعي كبير في معركة الإعداد للثّورة، والتّعبئة العامّة: " … في هذه النّصوص الشّعرية نُذُرُ الثّورة الكامنة … ولكنّ الشّاعر المنصهر في مأساة شعبه، يحسّ بها تنبُّؤًا، قبل أن يلمسها وقائعَ، وإنّ صوت الشّاعر الصّادق المرهص بالأحداث التّاريخيّة أشبه بصوت القطا الدّال على المورد، ولو تلمّست المخابرات الفرنسيّة دلائل على ثورة نوفمبر في قصيدة (يا هزاري) لمحمّد العيد سنة 1951م، و (استقلال ليبيا) سنة 1952م، وفي قصيدة (من يشتري الخلد إنّ الله بائعه) لمفدي زكريّاء سنة 1953م لَوَجَدَتْها جلبة واضحة، وكفتها هول المفاجأة في السّاعة الصّفر من ليلة أوّل نوفمبر 1954م."(2)

يستجيب الشّعب للنّداء، ويفهم ويعي ما هو مطلوب منه، ويقتنع بالوسيلة الوحيدة الباقية لإرغام فرنسا على فهم مطالبه، فيتحرّك ليعلنها حربًا شاملة مفتوحة إلى أن يظفر بإحدى الحسنيين: الشّهادة أو النّصر فالاستقلال. فكانت ليلة أوّل نوفمبر هي الرّدّ الحاسم، والعهد الذي ضربه مع الله والتّاريخ للقيام بالواجب المقدّس: " … لهذا كانت ليلة مقدّسة وعظيمة القدر في قلب كلّ جزائري، لِمَ لا؟ وهي فاتحة لعهد جديد، وصاحبة الفضل للفتح المبين الذي جاءت به، فكانت عَظَمةََ ليلة القدر، التي نزل فيها القرآن الذي كان سببًا في إبدال حياة النّاس سعادة وأمنًا … وليلةُ أوّل نوفمبر كانت منارة إشعاع وهداية، بدّلت ظلام الأيّام المتّسمة بالظّلم والتّعسّف وغمط الحقوق نورًا وأمنًا، بفضل تحقيق النّصر على العدوّ."(3) هذا ما صوّره مفدي زكريّاء في الأبيات الآتية:

دَعَا … التّاريخُ … لَيْلَكَ فَاسْتَجَابَا … نُفَمْبَرُ، هَلْ وَفَّيْتَ لَنَا النّصابَا؟

وَهَلْ سَمِعَ المُجيبُ نٍدَاءَ شَعْبٍ؟ … فَكَانَتْ ليْلَةُ … القَدْرِ … الجَوَابَا

تَبَارَكَ لَيْلُكَ المَيْمُونُ نَجْمًا … وَجَلَّ جلالُه هتَكَ الحِجَابَا

زَكَتْ وَثَباتٌه عَنْ أَلْفِ شَهْرٍ … قَضَاهَا الشّعبُ يَلْتَحِقُ السَّرَابَا

تَنزَّلُ روحُهَا منْ كُلِّ أَمْرٍ … بِأَحْرارِ الجَزائِرِ قَدْ أَهَابَا(4)

قامت الثّورة التي أدهشت المسؤولين الفرنسيّين؛ بما أظهرته من قوّة في الضّربات، ودقّة في التّنظيم، وإحكام في التّسيير، كبّلت المستعمر خسائر فادحة، حتّى بدا الجيش الفرنسي بعتاده وعدّته ضعيفًا أمام إرادة الثّوّار والمناضلين المسلّحين بالإيمان، والمتسربلين بلباس الإصرار على انتزاع النّصر واسترجاع الحقّ المغصوب، حتّى قال قائلهم: " لا يمكن أن

(1) - " إرهاصات الثّورة في الشّعر الجزائري "، المجلّة الثّقافيّة، المجلّد الثّلاثون، ص: 134.

(2) - الدّكتور صالح الخرفي، الشّعر الجزائري، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، (د. ت)، ص: 308، 309.

(3) - محمّد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1992م، ص: 229.

(4) - مفدي زكريّاء، اللّهب المقدّس، ط3، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، 1982م، ص: 30، 31.

٦٨ / ١٢٦