محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٨٦قاضٍ … أنا راضٍ، إنْ عاشَ شعبِي سعيدَا
أنا إنْ مِتُّ، فالجزائُ تَحيا … حُرّةً … مُستقلّةً، … لنْ … تَبيدَا
قوْلةٌ، … ردّدَ الزّمان، … صداها … قُدُسِيًا، … فأَحْسَنَ … التّرديدَا
احْفظوهَا … زَكيّةً … كالمثاني … وانْقُلُوهَا … للجِيلِ ذِكْرًا مَجيدَا
وأقيمُوا منْ شَرعِها صلواتٍ … طيّباتٍ، … ولَقّنُوها الوليدَا(1)
إذا بحثنا في النّصّ عن الألفاظ والعبارات التي تكشف عن البطولة، نجدها بارزة في كلّ بيت فيه، بل في كلّ بيت في القصيدة. فالشّهيد يقوم بإرادته ليعتلي منصّة المقصلة، وهو في حال من الانتشاء والخيلاء، غير هيّاب ولا خائف من الموت. يتقدّم إليها وهو متّئد كالمسيح، حالم كالكليم، متسام كالرّوح، باسم الثّغر، شامخ الأنف … إنّه يَمتطي مذبح البطولة، وهو يعدّها معراجًا وسلّمًا إلى السّماء العُلا، وعنوانًا على الفخار والعزّ والشّهامة والشّهادة.
هو يتحدّى قاتليه، ويطلب منهم عدم الخوف أو الخجل من صنيعهم، فهو لن ينالهم بسوء. يقول لهم: إنّ ما تقدمون عليه لا يؤثّر عليّ أبدًا، فاكشفوا عن وجوهكم، وخلّوا الموت يقضي عليّ، أنا لا أبالي منه وبمصيري، أنا سعيد وراض بما تقومون به؛ ما دام شعبي يعيش هنيئًا، ويحيا كريمًا، فلا يهمّ مصيري، بل اختاروا الوسيلة التي ترونها مناسبة للتّخفيف من حقدكم وجبنكم وخسّتكم، الشّنق أو الصّلب … أنا إن متّ لن يكون مآلي إلاّ مآل سحرة فرعون، الذين كانوا شهداءَ الحقّ والإيمان والشّجاعة والبطولة، أمّا هو فكان ضحيّة كبريائه وطغيانه وحمقه، وكذلك تكونون(2)
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 9، 10. القصيدة بعنوان: " الذّبيح الصّاعد "، تعدّ ثمانية وستّين بيتًا، نظمها الشّاعر في السّجن، وهو يشاهد تنفيذ حكم الإعدام على أحمد زبانة، ليلة 18 من جويلية (تموز) سنة 1956م.
(2) - ينظر قوله تعالى: " … فاقضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَيَاةَ الدّنْيَا "، الآية: 72، سورة طه.