محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٩٣فكَم كنت يا رَحْمنُ في الشّكّ غارقًا … فآمنت … بالرّحْمن في الثّورة … الكبرى
وكَمْ كنت بين (الكاف والنّون) حائرًا … ومذْ قُلتَها – ياربّ – جنّبتني الكفرا
ولبّاك … شعبٌ، … كاد … يفقد ظنّه … (بوعدك)، لولا أنّه يَحفظ الذّكرا
ويقرأ … في … التّنزيل، عند … صلاته … بأنّك … بعد … العسر … تغمره يُسرا
وأشربته حبّ الشّهادة، فارَمى … على غمرات الموت، تُلهبه الذّكرى
وطالبته … بالمَهر، إن … رامَ عزّة … فأسرعَ، … من أرواحه يدفع المَهرا
ولقّنْتَه … أنّ … الجِهادَ … عقيدةٌ … طَوَى الأزلُ العُلويُّ في صدرها سرّا
ودون منال المجد جسرٌ ومَعْبرٌ … فراح على أكباده يقطع الجَسرا(1)
" أشار الشّاعر إلى الإسراء ليقول: إنّ الرّصاصة الأولى التي أعلنت انطلاقة ثورة أوّل نوفمبر كانت ليلاً، مثلما كان الإسراء ليلاً. فكان هذا السّرى خيرًا وبركة ونعمة على الجزائر؛ إذ جعلت الشّعب يهبّ للنّضال والجهاد لتحقيق النّصر، كما كان إسراء الرّسول - صلى الله عليه وسلم - خيرًا وبركة على البشريّة كلّها … "(2) وفي اللّوحة تصوير كبير للتّحدّي والبطولات التي أظهرها الشّعب، وواكبها الشّعر.
في الحقيقة إنّ الشّعر الذي قيل عن الثّورة التّحريريّة ركّز على البطولة، لأنّ ما أظهره الثّوار في الميدان من قوّة وصمود وتحدٍّ، كان في مستوى ما كان يرجوه الوطنيّون من إشعالهم فتيل الثّورة، بالرّغم من ضآلة الإمكانات المادية، فرسالة الشّعراء هي احتضان هذا النّجاح، والتّشجيع على مواصلة الكفاح. إذن إنّ طبيعة شعر الثّورة، ليست سوى بطولة مسجّلة بكلمات، بعد أن تحرّكت في أرض المعارك والملاحم: جولات وصولات ووثبات فدائيّة … هذه البطولة دفعت بالشّعراء إلى النّضال من أجل استرجاع المقوّمات التي سلبها الاستعمار من شعبهم، فكان أوّل ما ركّزوا عليه مسألة الوطن، فتغنّوا به إشادة وتمسّكًا به، ودفاعًا عنه، ودعوة إلى القراع لافتكاكه من أيدي الغاصبين.
* الوطن
إنّ الشّعر نهض كي يثأر للكرامة، ويدفع إلى التّحرّر من القيود، ويغرس حبّ الوطن في النّفوس، ويربط الشّباب بأرضه ومقوّماته، لذا كان ممّا حرص على تناوله قضيّة الوطن؛ حتّى يثبّت الانتماء في القلوب، ويركّز الهويّة في النّفوس، تناول الشّعراء موضوع الوطن، في إطار إذكاء الحماسة في أبناء الوطن؛ للتّمسّك بأرضهم الجزائر، ثمّ مواصلة خوض المعركة من أجل افتكاكه من براثن المستعمر الغاصب له. قال أبو القاسم سعد الله سنة 1955م وهو يكشف " عن مأساة ابن الجزائر، الذي ليس له من أمّه (الأرض) إلاّ ما ينغّص حياته، وينكّد عليه عيشه؛ بسبب ما يُمارسه عليه المستعمر من ألوان الحرمان والقهر والإبعاد والتّشريد. في الوقت نفسه يبيّن أنّ هذا الابن - رغم ذلك - يصرّ على الالتصاق بالأرض، ويعاهد على البقاء وفيًا لانتمائه وأصالته"(3):
يا مالكين
هذا ترابي من قديم
أسقيه من عرقي، وأفراحي الحبيبه
أسقيه ذكراي الكئيبه
أَسقيه ألحان البطوله
هذا ترابي من قديم
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 309، 310.
(2) - أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2، ص: 334.
(3) - الدّكتور محمّد بن قاسم ناصر بوحجام، الشّعر والهويّة القوميّة، نشر الجاحطيّة، الجزائر، 1999م، ص: 19.