محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٩٩اتّخذت هذه الإشارات أشكالا مختلفة، عدّدها الدّكتور صالح الخرفي بقوله: " ومع الإصرار الانتمائي تتصاعد المقوّمات الأساسيّة للوطن، وتبرز الملامح المميّزة له، التّاريخ بذكرياته الماثلة، الدّين بعقيدته وإيمانه، القوميّة بأصالتها وعراقتها. اللّغة بتراثها وحضارتها. ويتغنّى الشّعر بعروبة الثّورة وعروبة الجزائر، كما لم يتغنَّ بها من قبل، وتنطلق القوميّة انطلاقة شعريّة، فيها عنف الاحتباس الخانق لها، طيلة الاحتلال الفرنسي، وتطفو لفظة (العروبة) على كلّ بيت، في كلّ قصيدة، وكأنّ الإصرار من الطّرف الآخر على أغنيّة (الجزائر قطعة من فرنسا) يزبد من جموح هذه اللّفظة وإلحاحها على الأبيات والقوافي. "(1)
حتّى يبرهن الشّعراء على أصالة الشّعب الجزائري، وارتباطه بالمقوّمات الأساسيّة، وابتعاده عمّا تريد فرنسا أن تزجّه فيه؛ بِحشرها له في زمرتها، ركّزوا على عروبة الجزائر، ردًّا على من يزعم أنّ الجزائر فقدت عنصرها العربي، ووقوفًا صامدًا أمام صلف فرنسا، ومحاولاتها اليائسة تجريد الجزائر من هذه العروبة، وهذا الانتماء. إذ أنّ هذه الدّعوى قد أثّرت على الأشقّاء، فظنّوا أنّ الجزائر قد تحوّلت نحو الغرب في انتمائها، واستدرجت فابتعدت عن الشّرق. فقال مفدي زكريّاء وهو في عمق معركة التّحرير، منافحًا عن عروبة الشّعب الجزائري، مبعدا عن الشّرق هذا الوهم، آخذا له تعهّدًا بالبقاء على العهد والنّهج:
رسولَ الشّرق قل للشّرق، إنّا … على عهد العروبة سوف نبقى
وأمّا … بالجزائر … أنكرونا … سنخرق وصمة الإجماع(2) خرقا
لقد زعموا الجزائر من فرنسا … وراموا مزجها سفهًا وحمقا
سيعترف … الزّمان … غدًا … بأنّا … سبقنا … وثبة … الأقدار سبقا
(1) - الشّعر الجزائري، ص: 258.
(2) - قرّر البرلمان الفرنسي بالإجماع عند اندلاع الثّورة أنّ الجزائر فرنسيّة جنسًا وترابًا.