الاجتهاد في المذهب الإباضي محمد بن بابه الشيخ بالحاج

الاجتهاد في المذهب الإباضي

الجزء ١ · صفحة ١٥

-

الراشدة في ايديهم وهم مجتمعون في المدينة المنورة العاصمة الاسلامية السياسية والمركزية الدينية والعلمية للمسلمين انذاك، يأخذ بعضهم عن البعض ويكمل بعضهم نقص الآخرين فلا يستنكف الواحد ان يأخذ عن أخيه ما ثبت عنده من علم أو حق، وهو واثق به لا يقدح احدهم في صاحبه ولا يتهمه بضنة أو تحيز اذ هم ابعد ما يكونون عن قول الزور بعضهم على بعض فضلا ان يتقولوا على الله أو رسوله ما لم يثبت عنهما، كما انه لا يستنكف احدهم - ولو كان خليفة أو واليا أو أميرا ان يدعن للحق اذا تبين له من اخيه ما دامت الحكمة ضالتهم جميعا ينشدونها ويأخذونها أني وجدوها ورائد الكل النصح لله ولرسوله ولكتابه ولائمة المسلمين وعامتهم وذلك روح الدين اما بعد ان أذن للصحابة رضى الله عنهم ان يتوزعوا على الامصار ليعلموا أمر دينهم من كتاب ربهم وسنة نبيهم. فاستقر كل حيث عن له الاستقرار وطاب له المقام. فأقبل عليه أهل بلده يروون عنه ما عنده وقد وضعوا فيه كامل ثقتهم، وخاصة بعد ان انتزعت الخلافة من المهاجرين والانصار وصرفت عنهم الى سواهم، وتحولت العاصمة السياسية عن المدينة الى الشام والعراق، وبالتالي تنافست المراكز الثقافية والعلمية على الصدارة كما تنافست العواصم السياسية على السيادة الحكمية، وبعدت الشقة حسا واختلفت البيئات الاجتماعية والنظم ومعنى بين المسلمين وسط المزار المعاشية بين الاقطار والولايات الاسلامية - شرقيها وغربيها وخاصة ما ابتعد منها بعدا شاسعا. واختلف اختلافا كبيرا وتباين تباينا واضحا عن البيئة الاولى للاسلام بيئة الجزيرة العربية عامة والحجاز خاصة في بداوتها وبساطتها من جهة، وفى ظهرها وصفائها العقائدي والديني والاخلاقي من جهة أخرى. هنالك تعين على العلماء ان يبذلوا أقصى ما عندهم من الجهد الفكرى ويعملوا عقولهم ما وسعهم أعمالها لتعقل أسرار التشريع ومقاصد الشارع وعلل الاحكام وحكمها ليعطوا بمقتضى ذلك لبيئتهم الجديدة - من الاحكام ما يتفق والنصوص الشرعية التي طبقت على البيئة العربية في صدر التنزيل والتشريع.

ونظرا لاختلاف البيئات الآنفة الذكر من جهة، واختلاف المدارك والعقول والمواهب الفكرية من جهة أخرى - وتلك سنة الله في خلقه ـ ورحمة من

-13 -