التعليم الجامعي والقيم السوسيودينية للفتاة المزابية إبراهيم بن عيسى فخار

التعليم الجامعي والقيم السوسيودينية للفتاة المزابية

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

الفصل الثالث

المجتمع المزابي، مقاربة سوسيوتاريخية

غرس في وعيهم حبّ العمل والكدح من أجل العيش، ووسم حياتهم بالتقشف والاقتصاد وحسن التدبير، لقد تشبثوا بالأرض، فانكبّوا لإحياء واديهم، على حفر الآبار بعزيمتهم وصبرهم، فحفروا نحوا من ثلاثة آلاف بئر، قد يصل عمقها إلى ثمانين مترا، واهتموا بغرس ورعاية النخلة التي ظلت محور حياتهم؛ فأنشؤوا واحات بنفس الإرادة التي أسسوا بها قراهم. واشتغلوا بالفلاحة والتجارة وبرعوا فيها، ومارسوا الحرف وأنشؤوا مصانع، وبذلك لم يعرف مزاب مشكل البطالة، فالكل يعمل. والشاب - منذ سنّ مبكّرة يفكّر في امتلاك قطعة أرض ليبني مسكنه لاحقا، ويستقرّ في مزاب معتمدا على نفسه وعمل يده، لا ينتظر من الدولة أن تمنح له مسكنا، ولا يطلب ذلك أساسا. والمرأة بدورها – كما أسلفنا - كانت سند الرجل تكافح معه، وتتحمّل شظف العيش، فكانت دائمة العمل في البيت أو الحقل، وتنشئ أبناءها على حبّ العمل والاقتصاد ونبذ الإسراف. تقول ف. ل: "لا شيء يضيع أو يهمل عندنا، مهما بدا تافها، فكلّ شيء يسترجع ويستغل. 2

يقول محمد علي دبوز: وكان" الآباء يعلمون كلّ أبنائهم الصغار تسلّق النخيل … تدعوه إلى ذلك أمه وأبوه … والمزابيون يرون الرجل الذي لا يحسن تسلّق النخلة عاجزا ضعيفا لا شرف له فيحتقرونه ولا يبالون به

31

ل - الجدّية والصرامة

الجدّية قيمة سوسيودينية راسخة في الوعي الاجتماعي للمزابيين، توجه سلوكهم وتحدّد مواقفهم وتطبع أحكامهم.

والمزابي منذ طفولته، لا وقت ضائع لديه، فهو إما في المدرسة أو المسجد، يتعلّم ويدرس القرآن، تحت مراقبة معلمه، أو في الحقل يعمل تحت توجيهات أبيه، أو في البيت يلبي طلبات أمّه، أو يلعب مع أقرانه في "تجمي" (الحي) حين يسمح له بذلك، وإذا أدرك البلوغ تمسك بهذه القيمة أكثر، فانفصل عن المجتمع النسوي من غير محارمه، وتعهد المسجد لأداء الصلوات، ودار العشيرة لممارسة أنشطة ثقافية.

وهذه الجدّية التي يتصف بها أهل، مزاب أرى أنّ منشؤها ثلاثة عناصر:

2

3

1 - يوسف الحاج سعيد، المرجع السابق، ص 38.

السيدة ف. ل، المقابلة السابقة.

محمد علي دبوز المرجع السابق، ص 91.

-138 -