التعليم الجامعي والقيم السوسيودينية للفتاة المزابية
الجزء ١ · صفحة ١٤٥الفصل الثالث
المجتمع المزابي، مقاربة سوسيوتاريخية
الأريب … كافية لهدم أصالتنا، وهدّ كياننا، ذلك الذي بناه أوائلنا بجهد جهيد، في عمر مديد … هذا إذا وقفنا عند استباحة الدفّ والترخّص فيه، لكن أنّى لنا وللشباب - والشباب شعلة من الجنون - أن لا يتجاوز الدفّ إلى المزمار والناي والكمان والجاز، وإلى كل آلات العصر المتطوّرة والمتدهورة والمدمّرة، إنّ البئر المتقن الربط إذا نزعت منه حجرا واحدا تفكّكت أجزاؤه وتداعى بناؤه، وأكل بعضه بعضا، فغص من حوله بريقه، بنضوب معينه.
وقد حسم ردّ الشيخ الأمر، وأغلق النقاش في الموضوع.
هذه أبرز القيم السوسيودينية السائدة في المجتمع المزابي، عليها قام، وبها استمر في الوجود، وبسببها تميّز وحافظ على هويته؛ لكنّ الأمر الملاحظ، وكنتيجة للتغير الاجتماعي المتسارع، فإنّ منظومة القيم في مزاب بدأت تهتز وتتغيّر نتيجة لعوامل عدة، أبرزها الانتقال والصراع الحاصل بين التقليد والحداثة، وهذه ظاهرة جديرة بالبحث والدراسة.
6
-2 - المنظومة التعليمية للمجتمع المزابي
يعود اهتمام المزابيين بالعلم والتعليم إلى أيام الدولة الرستمية، التي ازدهرت فيها الحياة الفكرية ازدهارا كبيرا، وقد اهتم الأئمة الرستميون كثيرا بتنشيط الحركة العلمية بتيهرت وخارجها، حتى أصبح البيت الرستمي بيت العلوم، وجامعا لفنونها، من علم التفسير والحديث والفرائض، والأصول والفروع، وعلم اللسان
وبعد سقوط الدولة الرستمية، وفرار الإباضيّة إلى وارجلان وسدراتة أصبحت هذه الأخيرة هي البديل لتيهرت، حيث قدم إليها العلماء من مختلف الأمصار، خاصة بعد المضايقات التي تعرّض لها إباضية أفريقية وطرابلس وجبل نفوسة
وبعد الاستقرار في مزاب، أنشأ المزابيون نظاما اجتماعيًا خاصا، يتمثل في نظام حلقة العزابة، والمؤسسات الاجتماعيّة التابعة لها، ومنها مؤسسة "إروان" ومحاضر التعليم.
وعند الحديث عن التعليم في مزاب، نجد أنفسنا مدفوعين إلى أن نتناول ذلك في إطار التقسيم
1
حمو بن عمر فخار، ماذا بعد الدق؟، جمعية التراث القرارة، غرداية، الجزائر، 1999، ص 3 - 6. 2 - أبو العباس الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، ج 1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1974، ص 57. 3 - مزهودي مسعود الإباضية في المغرب الأوسط، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1996، ص 239.
-140 -