التعليم الجامعي والقيم السوسيودينية للفتاة المزابية
الجزء ١ · صفحة ١٥١الفصل الثالث
المجتمع المزابي، مقاربة سوسيوتاريخية
الصلاة -إن لم تظهر عليها علامات البلوغ هو سنّ الثالثة عشر.
والمعلمات يمارسن عملهنّ التعليمي تطوّعا، ولا يتقاضين عليه أجرة، إلا أنّهنّ كثيرا ما يستعنّ بالتلميذات في بعض أشغالهنّ المنزلية، كتنظيف البيت، أو إحضار الماء من البئر، أو فرز
التمر.
وساد هذا النمط التقليدي من تعليم البنات في كل مدن مزاب إلى بداية الخمسينيات من القرن الماضي، واستمرّ في بعض الأوساط المحافظة زمنا أطول وصل إلى الثمانينيات.
وعند إلقاء نظرة تحليلية على هذا التعليم التقليدي للفتاة في مزاب نسجّل الملاحظتين التاليتين: أولا كان هذا التعليم يتمّ تحت إشراف هيئة العزّابة وهيئة الغسالات تمسيريدين"، عن طريق التلقين والتحفيظ السمعي، ولا يسمح فيه بتعليم الفتيات القراءة والكتابة وسائر العلوم واللغات، فذلك ممنوع تماما ومحرّم اجتماعيًا.
وهذا المنع من تعلّم القراءة والكتابة وسائر المعارف الأخرى، أجده مشابها لمنع النساء والبنات من السفر. فإذا كان السفر يسمح للمرأة بالانتقال بجسدها خارج، مزاب، فإنّ التعليم يسمح لها بالانتقال بعقلها وفكرها خارج مزاب. فالتعليم والقراءة والكتابة بالخصوص شكل من أشكال السفر أيضا؛ وكلا السفرين للمرأة يشكلان في نظرهم - خطرا على هوية المجتمع وقيمه، ويهدّدان بناءه، كما يهددان سلطة الذكور وهيمنتهم، سواء كان ذلك في الأسرة أو العشيرة أو المجتمع ككل. لذا كان الحرص شديدا على إبقاء المرأة داخل أسوار " مزاب جسديًا وعقليًا ووجدانيًا، لا تسمع ولا ترى إلا النموذج المزابي، ولا تطلع على ثقافة غير ثقافته ولا تعيش إلا في إطار نسقه القيمي، لضمان إعادة إنتاج نفس القيم والمنع دائما - يبرّر دينيًا لضمان قبوله واستمراره.
وتجدر الإشارة هنا إلى المرأة الشجاعة من غرداية، السيدة عائشة بنت حمو نجار المعروفة بـ"عيشة نتكيردا" (ت عام 1990 م.)، التي كانت معلمة للبنات في بيتها بحي "بباز"، فقررت تعليمهنّ مبادئ القراءة والكتابة مع منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، مبررة ذلك بتمكينهنّ من قراءة وكتابة الرسائل المتبادلة مع زوجها مستقبلا، حين يسافر للتجارة، لكنّ ذلك
1 - السيدة ف. ل، المقابلة السابقة.
-146 -