التعليم الجامعي والقيم السوسيودينية للفتاة المزابية
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥الخاتم
للمدينة المنحدرة على أطرافه.
استمرّ مزاب في الوجود، مجتمعا دينيًا تقليديا داخل أسوار مدنه يتفاعل أفراده ضمن نظام اجتماعي، قائم على أساس منظومة قيميّة، وإطار معاييري مشترك، نتجا عن ثقافة المجتمع بعناصرها المتعدّدة، والتي يبقى عنصر الدين أهم مكوّناتها؛ فللدين أبرز الأثر في صنع ثقافة المجتمع، كما أنّ الثقافة تصنع الدين بالمنظور السوسيولوجي- أو لنقل تصنع التدين، أي: تنتج الطقوس والممارسات والسلوكات الدينية للأفراد والجماعات.
ظل المجتمع المزابي محافظا على نظامه الاجتماعي، وتوازن بنائه المتماسك، متكيفا مع البيئة الخارجية، لقرون من الزمن، ولأجيال متعاقبة؛ ولعلّ سرّ ذلك يكمن في أمرين اثنين: أولهما: قوة مؤسسات المجتمع الاجتماعية في تنشئة الأفراد، وسلطتها في ممارسة الضبط الاجتماعي عليهم، يصل إلى حدّ "التبرئة" أي: المقاطعة الاجتماعيّة، وفق سلّم قيمي صارم.
ثانيهما: وضعيّة المرأة المزابيّة الممنوعة من السفر ومن التعلّم الماكثة في مزاب لا تبرحه، لا تسمع ولا تشاهد ولا تطلع إلا على النموذج المزابي، فتقوم بذلك بدور "الحارسة" على قيم المجتمع، وبإعادة إنتاج القيم نفسها باستمرار، في إطار هويّة المجتمع وثقافته؛ هذه الثقافة التي يمكن تعريفها في أبسط معانيها - أنّها إجابات المجتمع المادية والمعنوية لحاجاته وحاجات أفراده المتجدّدة، فإذا ما أصبحت ثقافة مجتمع ما عاجزة عن الاستجابة لتلك الحاجات، وفقدت في نفس الوقت القدرة على التكيف مع البيئة الخارجيّة، حدثت حينئذ عملية التغير الاجتماعي؛ وهذا ما حدث في مزاب: فمع التغيّرات الحاصلة في البيئة الخارجية، التي أضحت أكثر تأثيرا بحكم الانفتاح المفروض على المجتمع، ومع بروز حاجات اجتماعية جديدة للأفراد، عجز النظام الاجتماعي التقليدي بثقافته وقيمه عن تلبيتها، فقد النسق الاجتماعي العام توازنه، ولم يستطع التكيف والصمود أمام الضغوط الخارجيّة المتسارعة، فحدثت عملية الاستيراد الثقافي"، بالبحث عن الإجابات لتحقيق المتطلبات من ثقافات أخرى، ولعلّ أبرز مثال على ذلك يتمثل في ظاهرة تعليم الفتاة في مزاب وتسرّبها خارج النسق الاجتماعي، لإشباع حاجاتها وتحقيق أهدافها في مدارس التعليم الرسمي، بمختلف أطوارها، إلى أن التحقت بالتعليم الجامعي، الذي كان له تأثير على قيمها السوسيودينية التقليدية، كما رأينا سابقا.
-270 -