التعليم الجامعي والقيم السوسيودينية للفتاة المزابية
الجزء ١ · صفحة ٤٠مدخل الدراسة
المحدّدات المنهجية
الحياة، وحقها في التعلّم والتثقف والإبداع، وحقها في الاختيار وإبداء الرأي واتخاذ القرار. والمجتمعات الإسلامية، كغيرها من المجتمعات البشرية، لم تسلم من هذه الظاهرة الاجتماعية"، رغم تعاليم الدين الإسلامي، المكرّمة للإنسان ذكرا كان أو أنثى، وجهود العلماء والمصلحين الاجتماعيّين، لتغيير هذه الأوضاع، منذ القرن التاسع عشر، أسوة بالمجتمعات الغربية الحديثة التي قطعت أشواطا بعيدة في مجال تحرير المرأة ومنحها حقوقها، فاقتحمت بذلك مختلف ميادين الحياة.
والمجتمع المزابي، كونه مجتمعا "دينيا" محافظا" في طور الانتقال من التقليد نحو الحداثة، يعيش أفراده هذه الازدواجية بكل أبعادها ومظاهرها، وهو مجتمع مهيكل في نظم ومؤسسات اجتماعية متساندة، تشكّل بناء اجتماعيًا هرميًا قمته المسجد، بهيئته الدينية الاجتماعية "العزابة" التي تسيّر مختلف الأنساق والمؤسسات الاجتماعية وتراقب وظائفها.
وقد أولى النظام الاجتماعي في مزاب اهتماما" "خاصا" بالمرأة، رغم حرمانها كثيرا من حقوقها، مدركا أهمية دورها وخطورته هذا الدور المتمثل في التربية والتنشئة وإعادة إنتاج القيم الاجتماعيّة، وبالتالي المحافظة على هويّة المجتمع. ولكي يضبط حدود حياتها، ويحصر مجال نشاطها في إطار ثقافة مجتمعها وقيمه، منعها من السفر والتنقل خارج "مزاب"، وحرمها من تعلّم القراءة والكتابة لعهود طويلة.
ومع نهضة الإصلاح والتغيير التي مست مدن مزاب مع الثلاثينيات من القرن العشرين، تطوّر تعليم الفتاة في مزاب من تعليم تقليدي تلقيني بسيط إلى تعليم حديث" نسبيًا"، في إطار ما يطلق عليه محليا "التعليم الحرّ"، بمناهجه الخاصة المتميّزة بالطابع الديني والثقافة المزابية، والتي ظلت تحت إشراف وتوجيه المسجد وهيئة العزابة.
ومع التغيّر الاجتماعي الحاصل في مزاب بانفتاح المجتمع على العالم الخارجي، وظهور حاجات اجتماعية جديدة، عجزت المؤسسات الاجتماعية التقليدية عن تلبيتها، وإيجاد إجابات لها، سجّل بعض الآباء بناتهم في مدارس التعليم الرسمي، بعد نيل الجزائر استقلالها، ومن ذلك التاريخ، وعدد الفتيات المزابيات يزداد في أطوار التعليم الرسميّ تباعا من الابتدائي إلى الثانوي، إلى أن التحقت الفتاة المزابيّة بالتعليم الجامعي، وسط رفض اجتماعي وعدم رضا واسعين، خاصة
-35 -