التعليم الجامعي والقيم السوسيودينية للفتاة المزابية
الجزء ١ · صفحة ٥٧1
الفصل الأول
التعليم الجامعي في الجزائر
الهام الذي تنهض به المدرسة في استخلاف الأجيال، فضيّقت على هذه المدارس، وأقامت في البلاد منظومة تربوية بديلة، لتقضي بذلك على حضارة الشعب وأصالته من جهة، ولتكوّن المساعدين الذين تحتاج إليهم لخدمة أغراضها من جهة أخرى، فتقلّص التعليم في الأوساط الشعبيّة مع مرور الزمن، وانتشرت الأمية، فلقد كتب الجنرال دوماس (Doumas) يقول: " كان التعليم الابتدائي قبل الاحتلال أكثر انتشارا في الجزائر وذلك عكس الاعتقاد السائد آنذاك، وكانت العديد من المدارس والزوايا تسدي تعليما في المستوى الثانوي والعالي أحيانا، وكان الطلبة المتفوقون يتوجّهون إلى مدن فاس وتونس والقاهرة لاستكمال تحصيلهم العلمي هناك؛ وبعد مرور قرن أصبح التعليم معمما لدى الفرنسيين، في حين عمت الأمية صفوف السكان المسلمين فصارت تشمل 90 % من الكبار سنة 1948
أما الضربة القاضية التي أوهنت انتشار التعليم في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي، فتمثلت في مصادرة أملاك الأوقاف وغلق المدارس وهجرة المدرّسين، كتب دوتوكفيل (A.Detocquville) عن ذلك ما يأتي: " لقد بسطنا أيدينا على العائدات (الأوقاف)، و تركنا المدارس عرضة للاندثار، وألغينا المحاضر" فانطفأت الأنوار حولنا، لقد جعلنا السكان المسلمين أكثر جهلا وتوحّشا مما كانوا عليه قبل أن يتعرّفوا علينا … وبعض الضباط كانوا يعلنون جهرا، أنّه عندما تتحوّل المدارس القرآنية إلى هباء، ويعود العرب إلى جاهليّة القرون الأولى، فحينئذ يتهيأ لنا تعليمهم شيئا ما. "2
وعن هذه الحقبة يقول أحمد توفيق المدني: إذا نحن نظرنا إلى التعليم الموجود بأرض الجزائر آنذاك، نجده انقسم إلى قسمين بينهما بون شاسع وفرق غريب تعليم الفرنسيين والأوروبيين عامة، وهو منتشر انتشارا غريبا، وهو إجباري على العموم، فلست تجد أبدا أية قرية، أو دشرة أو مركز صغير من مراكز الاستعمار إلا ورأيت به بناية المدرسة الجميلة، ووجدت كل أطفال القرية أو المركز تفد - إجباريا - على المدرسة، فلست ترى أبدا في الأوساط الفرنسية والأوروبية من ولد أمي لا يجد في المدرسة مقعده الفسيح؛ ثم تعليم المسلمين، وهو يسير مشية الأعرج الهرم، فتجد البوادي والقرى والمدن عامرة بآلاف الأطفال الجزائريين الذين يذهبون كلّ غرّة أكتوبر إلى المدارس الحكومية، فلا يجدون مقاعد لهم، فيعودون أدراجهم وقد امتلأت أنفسهم يأسا وألما، ويهيمون على
- غي بريفيلي، النخبة الجزائرية الفرنكفونية، ترم حاج مسعود و آخرون، دار القصبة، الجزائر، 2007، ص 22. 2 - المرجع نفسه، ص 23.
-52 -