بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود
الجزء ١ · صفحة ٤٦في التخذير منْ مَدَارِسِ النصارى
لا يُقال أَنَّ كَلامه في هذا الفصل الأخير يقتضي وُجوبَ الهجرة، وهِيَ مَنسوخة بعد الفتح، لأنَّا نَقول: إنَّما نُسِخَت الهِجرَةُ بَعد الفتح حيث قوي الإسلام، وأمن المسلمونَ مِنَ الفِتْنَةِ في دينهم، وتَظاهَر النَّاس بالإسلام، وتَمسَّكوا بِعُروَتِهِ، وتَعزَّرُوا بِمِنعَتِهِ، وتَمَكَّنوا مِن دَعوَتِهِ. وكانت الهجرة قبل ذلك واجِبَة، حيث كان المسلم يُفْتَنُ في دينِهِ بين ظهراني الكُفَّار، وهُوَ لا يَستَطيع دفاعًا، ولا يملك امتناعا إلا أن يعطيهم ذلك بلسانه، وقلبه مطمئن بالإيمان، فَشَرَع الله لهم في ذلك الحال التَّقِيَّة، لطفا منه ورحمة، وأوجَبَ الهلاك
عَلى مَن شَرَح بالكفر صَدرًا، فالتقيَّة سَبيل المستضعفين، والهجرة سبيل المستطيعين. فإذا نَزَلَت عَلى بَعض المسلمين حالة مِثل حالة مَن كان قبل الفتح من المسلمين، وجب أن يُعطوا حُكم ذلك، لأنَّ الفِرارَ بالدّين واجبٌ في كل زمان. فالاطمئنانية في أمكنة الكفَّار إنما تجوز عِندَ سَلامَة الدّين، ولا تجوز عِندَ فَساده، ومَنِ اطْمَأَنَّ فيها مع فَسادِ دينِهِ كان قد آثر الدُّنيا عَلى الدِّين، ودَخَلَ تَحتَ الوَعيدِ المذكور في الآية، ومن هاهنا قال أبو يعقوب 2 - رحمه الله تعالى -: لا يجوز اتِّخاذ الأوطان في البلدان التي تملكها النَّصارى، وتَغلُّبوا على أهلها، وجَرَت فيها أحكامهم." وذلك كله إنَّما يُريد بِهِ الفرار بالدين، فهو تحذير لهم مِنَ الإقامة بها، لا كَما تَوهَّمه بعض الجَهَلَة أَنَّ لَهُ أَنْ يَطْمَئِنَّ، ولكن يُصلي فيها قصرًا فَقَط والله المستعان وبيَدِه كل خير، والعِلم عِندَ الله،
والسلام.
2
ا في (جـ) و (د) و (ز): "لما".
هو يوسف بن إبراهيم بن مناد السدراتي الوارجلاني (أبو يعقوب) من أشهر علماء الإباضية بالمغرب (ت 570 هـ)، وهو الذي رتب مسند الإمام الربيع - رضي الله عنهما -، وله يد في علم القرآن، وعلم اللسان، وفي الحديث والأخبار وفي رواية السير والآثار، وعلم النظر والكلام والعلوم الشرعية وعلم فرائض المواريث، ومعرفة رجال الحديث، ولم يخل من اطلاع علوم الأقدمين.
6
انظر: كتاب الدليل والبرهان، ج 3، باب مسائل ما بيننا وبين المشركين، ص 98. وأيضا: كتاب العدل والإنصاف، ج 2، باب الخروج من الأمة،. ص
^^
46