الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ١٨٨الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
بجوار البحر، وقد قام هذا البناء الرائع بمئذنته الشامخة في الموضع الذي بركت فيه ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم -]، وكان للمحراب سُلَّم حلزوني، تتبدى من جوانبه المختلفة ألوان شتى، كالأصفر والأزرق والأحمر، وللمسجد مصلى يقوم وسط حَرْجَة من حراج النخيل، وكانت العيون السائغة والقنوات ذات المياه العذبة تزود المدينة بما يلزمها من ماء. وكان جو البلدة كأطيب ما يكون، كما كانت أسواقها الرحيبة تمتلئ بالسلع من كل صنف ولون؛ وكانت صحار هي مخزن السلع الواردة من الصين ومركز التجارة مع الشرق، وكان لها أيضا- شأن في تجارة، اليمن، ومقام ممتاز في التجارة مع الشرق. أما الميناء الذي كان دائما مزدحما بالسفن الغادية والرائحة، فقد كان طوله فرسخًا و عرضه فرسخًا، وقد ذكر المقدسي صراحة أن لغة التجارة فيها كانت هي الفارسية، وكان التجار من جميع أنحاء العالم يلتقون فيها، وتتصل اتصالا مستمرًا باليمن والصين، وكانت الرحلات إليهما تتزود بمؤونتها من صحار، وكانت أرضها الخصبة الغنية تغل البلح والموز والتين والرمان والسفرجل وغيرها من الفواكه؛ وكذلك كانت صحار دائبة الاتصال بالبحرين، مُتَوَسِّلة في ذلك بطريق يخرج منها، ويمتد مسايرًا الشاطئ، مجتازا الجبال إلى جلفار، ولكن سرعان ما دب الاضمحلال في هذا الطريق. والظاهر أن حملة الخليفة هارون الرشيد (ت) 193 هـ / 809 م)، ثم حملة المعتضد (ت 289 هـ / 902 م)، الذي حاول أن يضُمَّ عُمان إلى الخلافة، وصادف في هذا نجاحًا أكبر مما صادفه هارون الرشيد، لم يكن لهما أثر بالغ في صحار، على أن البلدة قد دُمّرت أثناء فتن القرامطة، ثم أعيد بناؤها؛ وفي سنة 362 هـ (973/ 972 م حدث اشتباك أمام صحار، بين أبي حرب قائد عضد الدولة (ت 372 هـ / 983 م والزنج الذين كانوا قد احتلوا عُمان وكُتِبَ النصر لأبي حرب، فاستولى على صحار، واضطر أهلها إلى الفرار؛ وفي سنة 433) هـ (1031 - 1042 م) أنفذ أبو كَاليجار البويهي (ت 1048 م) جيشا فارسيًّا بالبحر إلى عُمان، وكانت قد انتقضت عليه، ورسا الأسطول أمام صحار، واستولى عليها وأخضع أهلها، ولكن البويهيين وولاة الفرس السلاجقة الذين ورثوا ملك خلفاء بغداد لم يفعلوا شيئًا لرد ما كانت عليه صحار من رفاهية وازدهار؛ وحوالي منتصف القرن الثاني عشر الميلادي توقفت تجارة
188