الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤TD
الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
البصرة، مع أنه لا يوجد في كتاب سيبويه نصوص صريحة مختلفة تشهد لهذه التهمة الكبيرة. وسنرى الأخفش الأوسط يسبق الكوفيين المتأخرين إلى التمسك بشواذ القراءات والاستدلال عليها من كلام العرب وأشعارهم. وفي الحق، إنَّ بصريي القرن الثالث هم الذين طعنوا في بعض القراءات، وهي أمثلة قليلة لا يصح أن تتخذ منها ظاهرة ولا خاصة عامة، وقد كانوا يصفونها بالشذوذ ويؤولونها ما وجدوا إلى التأويل سبيلا، وكانوا لا يحتجون بالحديث النبوي ولا يتخذونه إمامًا لشواهدهم وأمثلتهم؛ لأنَّه روي بالمعنى؛ إذ لم يُكْتَب ولم يُدَوَّن إلا في المائة الثانية للهجرة، ودخلت في روايته كثرة من الأعاجم، فكان طبيعيًّا أَلَّا يحتجوا بلفظه وما يجري فيه من إعراب، وتبعهم نحاة الكوفة، وفي ذلك يقول أبو حيان إنَّ الواضعين الأولين لعلم النحو المستقرئين للأحكام من لسان العرب كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمرو والخليل بن أحمد وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي والفراء وعلي بن المبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمة الكوفيين، لم يحتجوا بالحديث، وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين. وأما من حيث القياس والتعليل فقد توَسَّعُوا فيهما؛ إذ طلبوا لكل قاعدة عِلَّة، ولم يكتفوا بالعِلَّة التى هى مدار الحكم؛ فقد التمسوا عِلَلًا وراءها. وقانون القياس عام، وظلاله مهيمنة على القواعد كلّها إلى أقصى حد، بحيث يصبح ما يخرج عليها شاداً، وبحيث تفتح الأبواب على مصاريعها ليقاس على القاعدة ما لم يسمع عن العرب، ويحمل عليها حملا، فهى المعيار المحكم الشديد، وعلى هذه الشاكلة شادت البصرة صرح النحو ورفعت أركانه، بينما كانت الكوفة مشغولة عن ذلك كله على الأقل حتى منتصف القرن الثاني للهجرة، بقراءات الذكر الحكيم ورواية الشعر والأخبار، وقلما نظرت في قواعد النحو إلا ما سقط إلى بعض أساتذتها من نحاة البصرة؛ إذ كانوا يتتلمذون لهم، ويختلفون إلى مجالس محاضراتهم وإملاءاتهم، وكان القدماء يعرفون ذلك معرفة دقيقة، فنصوا عليه بعبارات مختلفة، من ذلك قول ابن سلام: (وكان) لأهل البصرة في العربية قدمة، وبالنحو ولغات العرب والغريب عناية)، ويُصرّح ابن النديم في هذا المجال تصريحًا أكثر وضوحًا؛ إذ يقول في حديثه عن نحاة الكوفة والبصرة: (إِنَّما قَدَّمْنَا
224