الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥225
did
مركز الترجمة والتعريب والاهتمام باللغير العربية
GCC Center for Translation، Arabization and Promotion of Arabic
البصريين أوّلاً؛ لأنَّ علم العربية عنهم أُخِذَ) … » (1)، وحول التأثر والتأثير، وعبقرية العقل البصري في ذلك الوقت يقول: حاول بعض المستشرقين أن يصلوا بين نشوء النحو في البصرة والنحو السّرياني واليوناني الهندي، غير أنه لا يمكن إثبات شيء من ذلك إثباتًا علميًّا، وخاصة أن النحو العربي يدور على نظرية العامل، وهي لا توجد في أي نحو أجنبي، وكل ما يمكن أن يقال: إنه ربما عرف نحاة البصرة الأولون أنَّ لبعض اللغات الأجنبية نحوا، فحاولوا أن يضعوا نحوا للعربية، راجعين في ذلك إلى مَلَكَاتِهم العقلية التي كانت قد رقيَتْ رُقِيًّا بعيدًا؛ بتأثير ما وقفوا عليه من الثقافات الأجنبيَّة، وخاصَّة الفلسفة اليونانية، وما يتَّصِل بها من المنطق، مما دعم عقولهم دعمًا قويًا، وجعلها مستعدة لأن تستنبط قواعد النَّحو وعِلِهِ وأَقْيَسَتِهِ، ويظهر أنه كُفل للبصرة من الصّلة بهذه الثقافات في القرن الثاني للهجرة ما لم يكفل للكوفة؛ فقد كانت مرفأ تجاريا للعراق على خليج العرب، فنزلتها عناصر أجنبية كثيرة، أعدت في سرعة لوصلها بثقافاتها المختلفة، وأيضًا فإنها كانت أقرب من الكوفة إلى مدرسة جُنْدَيْسابور الفارسية، التي كانت تدرس فيها الثقافات اليونانية والفارسية والهندية، مما جعل جداول من تلك الثقافات تصب فيها؛ ولذلك كان طبيعيًّا أن نجد بها أقدم المترجمين، ونقصد مَاسِرْجَوَيْهِ، الذي عهد إليه عمر بن عبد العزيز بترجمة كتيب في الطب، ولا نلبث أن نلتقي بابن المقفع الذي نشأ بها وتوفي سنة 142 للهجرة، وكان يتقن الفارسية، ويحذق العربية، فترجم إليها أروع ما في الفارسية من كنوز تاريخية وأدبية، وترجم - أيضًا - كليلة ودمنة الهندية منها، وكذلك منطق أرسططاليس، وبذلك نفهم السر في أنَّ عقل البصرة كان أدق وأعمق من عقل الكوفة، وكان أكثر استعدادًا لوضع العلوم؛ إذ سبقتها إلى الاتصال بالثقافات الأجنبية وبالفكر اليوناني، وما وضعه أَرُسْطُطَالِيس من المنطق وحدوده وأقيسته. ويمكن أن نلاحظ آثار ذلك في نشاط المباحث الدينية في البلدتين؛ فقد عنيت الكوفة بالفقه بينما غنيت البصرة بعلم الكلام، وحقًّا أشاع أبو حنيفة في الفقه القياس والرأي أو الاجتهاد، ولكن من يرجع إلى كتب الفقه الحنفي - حتى في العصور المتأخرة
(1) شوقي ضيف المصدر نفسه، ص 18 وما بعدها.