الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
يلاحظ أنه ينقصها دائما شيء من التعميم والتعريف ووضع القواعد الكلية؛ فباب البيع - مثلًا - يفتح، ولا يُصَاغ له تعريف محدد، ولا تذكر له أركان وشروط، وإنما مسائل متناثرة يتوالى بعضها في إثر. بعض. وهكذا دائما في الفقه الحنفي يغلب أن يُفْتَح الباب على فروع دون أصول عقلية تضم شعبها الكثيرة، بينما علم الكلام يناقش مسائل كلية وهي مسائل ميتافيزيقية، والمسألة تثار في ضوء تفكير فلسفي معقد، مما يدل على صلة المتكلمين العميقة بالفلسفة اليونانية، حتى لنرى الجاحظ يقول: (لا) يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام، متمكنا في الصناعة، يصلح للرياسة، حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة)؛ فعقل كلّ من البلدتين كان مختلفا عقل مصبوغ بالصبغة الفلسفية المنطقية، وعقل لا يرتفع إلى هذه المنزلة إلا في حدود ضيقة؛ لذلك كان طبيعيا أَلَّا يُصَاغَ الفقه الحنفي الكوفي صياغة علميَّة دقيقة، بينما يُصاغ النحو في أدق صورة علمية ممكنة على نحو ما سنرى في كتاب سيبويه، وهي صياغة لم تستطع العصور التالية أن تضيف إليها إلا بعض تعريفات وبعض تسميات، أما الأصول وأما القواعد والضوابط والأسس فإنها ظلت قائمة كالأطواد الراسخة» (1). بعدها يسترسل في ذكر أوائل النحاة البصريين، وأهم مآثرهم، وما قيل فيهم، وتحدث باستطراد عن الخليل بن أحمد الفراهيدي العماني (ت 170 هـ / 786 م)، ودوره، ونشاطه العقلي والعلمي، وإقامته صرح النحو والتصريف، ومذهبه في السَّماع والعِلَّة والقياس، وعَرَّف - أيضًا - بتلميذه سيبويه (ت 180 هـ / 796 م)، واضع الكتاب، وغيره من علماء هذه المدرسة الفَدَّة، وصولا إلى السيرافي ت 385 هـ / 995 م)، الذي تنتهي مدرسة البصرة به وتصل إلى غايتها من تأصيل القواعد وميّ الفروع المتشابكة، يقول: وكانت تقابلها منذ الكسائي وما ألهمه به الأخفش من الخلاف على سيبويه مدرسة الكوفة» (2). ويختم كلامه بالآتي: «من الحق أن مدرسة البصرة هي التي شادت - كما أسلفنا- بناء النحو الشاهق، وقد تَسَلَّمَتْ منها مدرسة الكوفة، ثم المدرسة البغدادية وما خلفها من المدرستين الأندلسية والمصرية هذا البناء كاملا، ومضت كل مدرسة تحاول أن
(1) شوقي ضيف، المصدر نفسه، ص 20 وما بعدها.
(2) شوقي ضيف المصدر نفسه، ص 150.
226