الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٣٣233
did
مركز الترجمة والتعريب والاهتمام باللغير العربية
GCC Center for Translation، Arabization and Promotion of Arabic
ومما يُدلّل على عناية البصريين بالشعر والأدب ما أورده المرزباني (ت 384 هـ / 994 م) في الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء قال: «أخبرني محمد بن يحيى، عن أبي العيناء قال: عرض رجل على الأصمعي ببغداد شعرًا ردينا، فبكى الأصمعي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: يبكيني أنه ليس لغريب قدر؛ لو كنت ببلدي بالبصرة ما جسر هذا الكشحان أن يعرض على هذا الشعر وأسكت عنه (1).
تاريخيا مرت البَصْرَة بالكثير من الأحداث، وحصلت فيها قصص يطول باستعراضها هذا المبحث، وقد تعرضت للاحتلال، ودُمّر الكثير من آثارها، وجرى عليها الزمن الخؤون، مثلما جرى وهو جارٍ على غيرها، فإذا بها تلبس القديم بعد الجديد، وترثّ حبالها، ويذوي عودها، وتذهب جدتها وبهاؤها، ويداخلها من السقام والعطب ما يداخل كثيرًا من الحواضر التي يعضها الدهر بنابه، غير أن البَصْرَة تبقى عصيَّةً على الانكسار، صعبة على من يروم الحَطَّ منها، أو الغض من أهميتها، ولئن دار عليها الزمن دورته فإنها قد شهدت عبر تاريخها الحافل أدوارًا كبرى، كانت فيها حاضرة مهمة، ومرفأ كبيرًا، وميناء عظيما للعراق، بل عينًا لشط العرب، ونافذة للخليج العربي، وقبلة لحواضر ساحله الغربي، بل لحواضر الدنيا بأسرها، التي ارتبطت بها عن طريق البحر، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا
يعلمون.
(1) أبو عبيد الله بن محمد بن عمران بن موسى المرزباني، الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، تح محمد حسين شمس الدين دار) الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط: الأولى، 1415 هـ / 1995 م)، ص 453 وما بعدها.