الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٣٦الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
فلما عاين اللحمة في جوفها، وهي فاتحة فاها وثب بسرعته فأدخل فاه في الصَّدَف وقبض على اللحمة، فأطبقت الصدفة على فيه، ومن شأنها إذا أطبقت
على شيء وأحست بيد تلمسها، لم تفتح فاها بحيلة حتَّى تشقُّ من آخرها بالحديد ظنا منها باللؤلؤة، وصيانة لها كصيانة المرأة لولدها، فلما أخذت بنفس الثعلب أمعن في العدو يضرب بها الأرض يمينا وشمالا إلى أن أخذت بنفسه فمات وماتت، وظفر رزقًا (1)، وهذه القصة بصرف النظر عن صحتها- إلا أنها تعكس وجهًا من ذلك التفاعل على مستوى العلاقات التبادلية وا والتجارية. وكنا قد أشرنا سلفًا إلى دور أهل الساحل الغربي للخليج في نماء ذلك النشاط، وحيويته وازدهاره في مرحلة متأخرة، ثم عدلنا عن الاسترسال فيه؛ حتى لا يذهب بنا البحث كل مذهب.
يُعلّق أجيوس (معاصر) في السفن الكلاسيكية في الإسلام على ما يُتَرجم تلك العلاقة، ويشهد لها على الأقل من جانب اللقى الأثرية والمكتشفات، وطبيعة الصادرات والواردات المُسَجَّلة في الألواح، يقول: «وفَّرت الاكتشافات الأثرية معلومات قيمة حول النشاط التجاري البحري في الخليج، وكان سكان السواحل الأقدمون يتاجرون بالبضائع من بلاد ما بين النهرين إلى الهند؛ كما تدل فخاريات العبيد في العراق حوالي العام 4000 قبل الميلاد، والفخار الملون من النوع المُسَمَّى جَمْدَة نَصْر، حوالي العام 3000 قبل الميلاد، والموجود أيضا- في العراق في أماكن متعددة، وتُؤكَّد الأدلة الأدبيَّة على ازدهار اقتصادي في التجارة من العام 2500 حتى العام 1750 قبل الميلاد، ومن المعلوم أنه خلال عهد الملك أورْنَاتْشِي في لاغاش جنوب بلاد ما بين النهرين حوالي العام 2520 قبل الميلاد كانت السُّفن تأتي من دلمون حاملة الأخشاب من بلد أجنبي ما ربما كان الهند)، وبدأت التجارة البحرية فى أوجها حوالي العام 2300 قبل الميلاد في عهد سَرْجُون الأكادي (2334 - 2279 ق. م)، ومن خلال الكتابات المسمارية أصبح لدينا اليوم فكرة مُؤكَّدة عن شركاء أكاد في التجارة، وكان تحديد موقع مراكز التجارة الثلاثة مُلُوخًا ومجان ودَلْمُون موضع نقاش طويل
(1) السيرافي، رحلة السيرافي، ص 91 وما بعدها.
236