الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
أنوار هداياته الجزيرة العربية، أنْ تطبَّع بطابع الإسلام، وتخلق بأخلاقه، وتلفّع بلَبُوس العفة والطُّهر، وإن بقي فيه بقيَّة من آثار ما كان عليه العرب الأوائل من جاهلية قبل الإسلام؛ فقد كان بعض الشعراء مسكونين بالكثير مما درج عليه أسلافهم. لقد ترك الإسلام أثره الكبير على ذلك الشعر، وعلى الأغراض الشعرية، والموضوعات الأدبية التي كان يطرقها الشعراء، وعلى المصطلحات والمفهومات، التي لم يكن لهم بها عهد من قبل، والتي فرضها عليهم ذلك الدين، وشاع مديح نبي الإسلام، والثناء على الصحابة، والقادة المسلمين، وذم خصوم الدين، ثم تسجيل الغزوات والوقائع الحربية، التي خاضها المسلمون في مسيرة الفتح الإسلامي الكبرى. نجد في شعرهم - أيضا -: الوصف والمفاخرات، وحتى الهجاء؛ لمَّا عادت - لاحقًا - العصبية القبلية، وأطَلَّتْ برأسها من جديد؛ ففي مرحلة ما أخذ كلُّ فريق يفخر بما أحْرَزَهُ من سَبْق، وبما تحقق لأسلافه مما لم يدركه أو يظفر به الآخرون، وبما أحْرَزُوه من شرف وحظوة وسَعَةٍ ويسار؛ عندما زُويَتْ لهم الدُّنيا، وألِفُوا الدَّعَة، وانقادت لهم خيرات الأرض طائعة وأَسْلَسَتْ لهم كنوز الأرض القياد، وذلتْ لهم الأمم، فضعف الإيمان بالاشتغال بالحياة، ومُدَاخَلَة مَلَذَّاتها، والانكفاء على نعيمها، والتَّعالي بما تحقق لهم فيها، فعادت إليهم بعض تلك الأدواء التي عاشها من سبقهم قبل الإسلام؛ فبدأ التفاخر فيما بينهم، واشتدَّ الهجاء والثَّلب والقدح، ودارت سجالات عنيفة جدا بين بعض الشعراء، أخذ كل شاعر يُغلى شأن قبيلته، ويحطُّ من قدر خصومها، ويَكِيلُ لهم التهم؛ مُسْتَعْليًا بقوَّة عارضته الأدبية، وبذاءه لسانه على الآخرين؛ لضعف
إيمانه، وذلك - لا ريب - مسلك حاربه الإسلام، وذَمَّهُ، وقَبَّحَهُ أَيَّما تقبيح. مع هذا وذاك ظلَّ الشِعر هو الشعر، وبقي للشعراء مكانتهم؛ إذ كانوا يُمَثَّلون جهاز الإعلام في ذلك الزمان، يُدنيهم إليه من كان يريد رفع نقيصته، أو إشاعة ذكره وفخره، أو حتى إبانة شأنه وفضله على غيره من الملوك، وكان الشعر - أيضا - مصدر رزق و تكسب للشعراء، الذين أخذ بعضهم يتردَّد على أبواب الخلفاء والملوك والأمراء، يسْتَرْفِدُونهم، ويستدرون بأشعارهم ما يُعِينُهم على الحياة.
262