الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٦٨الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
وحياة الصحراء يمنحها شيئًا من القوة والجزالة في الألفاظ والأساليب والمعاني أحيانًا، فلما انقطعت هذه الصّلة أمعن هذا الأدب العربي في الحضارة والترف، وفقد روحه العربي الخالص شيئًا فشيئًا، حتى استحال آخر الأمر إلى جسم لا تكاد تمشي فيه الحياة؛ فسدت ألفاظه فكثرت فيها العُجْمَة، وفسدت معانيه لإسراف الشعراء والكتاب في التدقيق، وفسدت أساليبه فظهرت فيها الركاكة والغموض. وكانت جزيرة العرب في تلك القرون الأولى تستفيد من هذا الاتصال؛ فكان وفود الأعراب إلى حواضر العراق والشام، ووفود أهل الحضر إلى مدن الحجاز ونجد، يثير في نفوس الأعراب معاني ما كانت لتثور في نفوسهم لو ظلوا في عُزّلتهم الأولى، ويكفى أن يلاحظ أن الغزل الحجازي - وهو أجمل ما قيل في الإسلام من غزل - إنما هو نتيجة لتبادل الصلات بين جزيرة العرب وحواضر العراق والشام ومصر، على أنَّ العلم نفسه قد خسر بهذه العُزلة خسارة لا سبيل إلى تعويضها بحال من الأحوال؛ فمن المُحَقَّق أنَّ أعراب الحجاز لم ينصرفوا عن الإنتاج الأدبي بمجرد أن انقطعت الصلة بينهم وبين مراكز الحضارة الإسلامية، بل كان فيهم الشعراء والخطباء والقصاص والرواة، ولكن شعرهم وقصصهم وآثارهم الأدبية بوجه عام لم تكن تُنقل إلى مدارس البصرة والكوفة وبغداد، وتُدرَّس فيها كما كانت الحال في القرون الأولى، ولم تكن تدوّن في البادية، وإنما كانت تحفظها الذاكرة عشرات السنين، ثم يذهب بها صوت الرواة والحفاظ، وتنتشر في الصحراء كما تنتشر الرمال بتأثير الرياح وعلى هذا أخذت اللغة العربية وآدابها في الجزيرة تتغير، وينالها التطور من حين إلى حين، دون أن يُدوّن هذا التطور أو يُسجَّل، وأصبح من المستحيل الآن أن نعرف الصّلة الحقيقية بين اللهجات العربية في الجزيرة الآن، وبين اللهجات التي كانت فيها أثناء القرون الثلاثة الأولى (1).
طه
حسين، المصدر نفسه، ص 32 وما بعدها.
(1)
268