الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة: الساحل الغربي أنموذجًا محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة

الجزء ١ · صفحة ٢٧٢

TD

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا

المسلمين الذين تربطهم بالعرب رابطة الدين. ثم إنَّ ارتحال بعض هؤلاء العرب إلى ديار القوم في أعمالهم واتصالاتهم بهم جعل عيونهم تقع على أشياء كثيرة من ظواهر الحضارة والمدنية التي كان يعيش فيها أهل هذه الأمم، وهذا بالطبع يؤثر في حياتهم وتفكيرهم وقد ظهر هذا الأثر في الإمارات العربية التي كانت شديدة الصلة بالأمم الأخرى كالحيرة وغسان؛ فقد تحدث التاريخ كثيرًا عن مظاهر الترف والنعيم التي كان يعيش فيها ملوكهما وأمراؤهما؛ لصلتهما الوثيقة بالفرس والروم، وسنرى فيما بعد إن شاء الله أن هذا كان له أثر كبير في الأدب العربي، وبخاصة في الشعر والشعراء. هذا إلى جانب الرقيق الذي كان في ذلك الوقت بضاعة ضرورية، لا بد منها لأهل المال تدر عليهم أرباحًا عظيمة؛ فهم آلات ذلك الزمن، ومصدر من مصادر الاستغلال للحصول على الثروة، وكانوا سلاحًا يستخدم للدفاع عن السادة الأثرياء في أيام السّلْم وفي الحرب، فكان هناك رقيق أسود، ورقيق أبيض (قوم) من أصل إفريقي، اشتراهم أثرياء مكة؛ للعمل في مختلف الأعمال ولخدمتهم، والأسرى البيض الذين كانوا يقعون في أيدي الفرس والروم أو القبائل المغيرة على الحدود، فيُباعون في أسواق النخاسة ومنها ينقلون إلى مختلف أنحاء الجزيرة؛ للقيام بمختلف الأعمال. يضاف إلى هؤلاء الرقيق المستورد من أسواق أوروبا لبيعه في أسواق الشرق، ومثل هذه البضاعة لا بد أن تترك أثرًا في البيئة التي استوردت إليها (1).

ينتقل المؤلف بعد ذلك للحديث عن علاقة إنسان الجزيرة العربية بالبحر، وبالخليج، وحركة الأدباء والشعراء، وتردُّدِهم على البَصْرَة وغيرها، قائلا: «كانت بلاد العرب محاطة بالبحار - كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، من ثم كان منهم من يسكن على سواحل بحر القلزم في الغرب، وبحر الهند في الجنوب، وبحر العرب في الشرق، ولا شكّ أنَّ سكان هذه السواحل من العرب كانت لهم صلة وثيقة بالبحر، فاشتغلوا بالصيد، والتجارة مع الهند والحبشة والروم وغيرهم، فكانت الحاجة ماسة إلى ركوب البحر، ولهذا لا بد أنهم كانوا على شيء من علم الملاحة، وصناعة السفن، من ثم ورد ذكرها في الشعر الجاهلي

(1) علي الجندي، المصدر نفسه، ص 81.

272