الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة: الساحل الغربي أنموذجًا محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة

الجزء ١ · صفحة ٢٧٤

274

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا

خبرة بهذه الصناعات، ولا شك أنَّ هذه الخبرات العملية التي أشرنا إليها كانت وليدة الحاجة، جاءتهم عن طريق التجارب العديدة التي قاموا هم أو أسلافهم بها، وهي وإن كانت بسيطة، أو تُعدُّ خطوات أولى في ميادينها، فإنَّها تدل على ما كان لديهم من كمال العقل، ونُضج التفكير، وقوة الملاحظة، وحب الاستطلاع، ويقظة

ووعي لما يقع تحت أعينهم، ومحاولة للاستفادة منه بقدر ما يستطيعون» (1). إنَّ علاقة ساكنة الجزيرة العربية (ومنتسبي الساحل الغربي للخليج تحديدًا) بالبحر، علاقة قديمة جدًّا، بل هي علاقة أزليَّة، اضطرتهم إلى بناء تحالفات إستراتيجية، وعلاقات مختلفة مع أعراق متعدّدة، وألجأتهم أحيانًا إلى مُسَايسة من هيمن على أجزاء مهمة من ذلك الساحل - على امتداد خط التاريخ، بخاصة الفرس؛ فإن الفرس كانوا حاضرين بقوَّة في تاريخ المنطقة، وهذا ما يشير إليه أَجْيُوس (معاصر) في كتابه السفن الكلاسيكية في الإسلام؛ إذ كان العنصر الفارسي في مرافئ البحرين وعمان وباقي ساحل شبه الجزيرة العربية قويا للغاية، واختلط الفرس مع عرب شبه الجزيرة العربية، وتعزز ذلك الاندماج خلال القرن الثاني الميلادي بحدوث هجرات كبرى من الأزديين؛ وهم مجموعة من أزد عمان (من شرق شبه الجزيرة العربية والقبائل العدنانية الممتدة من شمال شبه الجزيرة وسوريا، وبغض النظر عن الاسم الذي اتخذه المستوطنون الجدد في القرون التالية أو على أي جهة من سواحل الخليج قد سكنوا، فإنهم حملوا معهم عداوة قبلية طويلة الأمد، كانت قد فصلت عرب شبه الجزيرة الشماليين عن الجنوبيين من الناحيتين السياسية والثقافية، وعبر بعض الأفراد القبليين من أزد عُمان، مثل سليمة بن مالك بن فهم جاهلي) باتجاه الساحل الفارسي، واستقروا في كَرْمان، واستقر آخرون في جزر الخليج، وكان صيد الأسماك قوام اقتصادهم الرئيس، وبوصفهم بحارة وتجارًا استغل بعضهم امتدادات جغرافية أخرى، لكنهم كانوا موضع حسد العرب الآخرين، وجلبت تلك المستوطنات العربية الجديدة، واندماجها مع الفرس انتعاشا للاقتصاد الساساني، وربما يعود ذلك الاقتصاد المزدهر جزئيًا إلى التجارة الرومانية طويلة الأمد

(1) علي الجندي، المصدر نفسه، ص 86.