الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٨٤TD
الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
العرب عمدوا إلى استخدام تعبيرات مبسطة، حتى يفهم عنهم الموالي، ويلوكوا ما يلفظونه بسهولة، وفي أثناء ذلك كانوا يستعيرون منهم بعض الكلمات الأعجمية، وخاصة في الأطعمة وأدوات الحضارة، وكانوا يعربونها، وقد يبقونها على صورتها الأصلية، ويعرض علينا الجاحظ في كتابه البيان والتبيين كثيرًا من الكلمات الفارسية التي جرت على ألسنة أهل الكوفة؛ بسبب من عاشوا معهم، وخالطوهم من الفرس؛ فمن ذلك أنهم كانوا يسمون المسحاة: «بال»، والحوك أو البقلة الحمقاء: «الباذروج»، وملتقى أربع طرق: «جهار سوك»، وكانوا يسمون السوق: «وازار»، والقثاء: «خيارًا»، والمجذوم ويذي»، وكانت الفارسية شائعة في البصرة، ويتضح ذلك في دخول مقطع «آن» الفارسي على كثير من أسماء القطائع، مثل: «عمران» لعمر بن عبيد الله بن معمر، و «سويدان» لسويد بن منجوف السّدوسي، و «خالدان» لخالد بن أسيد، و «مهلبان» لآل الملهب. ومما يدل على شيوع الفارسية في البصرة ما يروى من أن يزيد بن مفرغ حين هجا أسرة عبيد الله بن زياد في ولايته عليها، سقاه نبيا، وحمله على دابة في ثياب مُهَلْهَلَة مقرونًا إلى هرّة وخنزير، وأمَرَ أن يُطاف به في الشوارع على هذه الصورة المزرية، فتجمع حوله الصغار، يسألونه بالفارسية إين جيست؟ أي ما هذا؟ فكان يجيبهم بلسانهم: آب است نبيذ اسـ
عصارات زبيب است
سميه روسبي است
واست من أفعال الكينونة، وآب ماء وسمية أم زياد. وروسبي الخنزيرة؛ أي هذا ماء ونبيذ وعصارة زبيب، وسمية الخنزيرة؛ ويريد البغي. ويلاحظ الجاحظ أن تأثير الفارسية سقط إلى داخل الجزيرة في المدينة مع من نزلها من الفرس، ولذلك سمو البطيخ «الخربز»، والسميط «الرزدق»، وطعام المصوص - وهو لحم ينقع بالخردل المزور»، والشطرنج: «الإشترنج»، وغير ذلك من
الأسماء» (1).
(1) شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، ج 2، ص 170.
284