الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة: الساحل الغربي أنموذجًا محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة

الجزء ١ · صفحة ٢٨٦

286

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا

6

له بفارس: ابعث إلى بعسل من عسل خُلار، من النّحل الأبكار، من اليَسْتَفْشار الذي لم تمسَّهُ النَّار). وممَّا يصور هذا الرَّفَه في العيش والتنعم، ما يُرْوَى من أن عبيد الله بن زياد هيَّأ لأبيه حين تُوفّي ستين ثوبًا ليكفنه فيها، فلم يعد الثوب ولا الثوبان ولا الثياب القليلة تكفي الكفن الواحد. وطبيعي أن يُعنوا في تضاعيف هذه الحياة الرَّغِدة بكثير من أسباب اللهو، كسباق الخيل والصيد والقنص، ولعبتي الشطرنج والنرد، وسنرى أن كثيرين تورطوا في إثم الخمر، وقد أخذت الكوفة تُعْنَى بالغناء، ولم تكتف بمن نشأوا فيها من أمثال حُنَيْن الجيري، وأحمد النَّصبي، فقد أخذت تستقدم المغنين والمغنيات من الحجاز، وتفتح لهم دورًا يختلف إليها الناس كدار ابن رامين وسقط هؤلاء المغنون إلى كل بلد عربي؛ إذ نجد في الفسطاط ابن أبجر مغني المدينة، ونَعِم العرب فى خراسان بكثرة ما أصابوا من الأموال وفيئ الغنائم وفي كتب التاريخ والأدب أخبار من ذلك تكاد تشبه الأساطير» (). واستطرد كثيرًا في الحديث حول الكثير من وجوه التقدم الحضاري، ومظاهره في ذلك الوقت، مما يخرج بنا عن المقصود.

وأفرد للثقافة - أيضا - عنوانًا، آخر، أسْهَبَ الكلام فيه كثيرًا، وأكد أن العقل العربي دُعِم بمواد ثقافية كثيرة، وهو دعم نجد آثاره كما يقول- في ازدهار العلوم الإسلامية الخالصة علوم الفقه والتفسير والحديث؛ إذ نجد هذه الآثار في كثرة المناظرات التي نشبت بين الآراء المختلفة، في السياسة والدين وغير السّياسة والدين (2). وحول ظاهرة السّجال الفكري والعقدي يقول: «إذا انتقلنا من السياسة إلى الدين وجدنا الفقهاء يتجادلون طويلا في مسائلهم الفقهية بين أيدي الخلفاء وفي مجالسهم العامة والخاصة، وتروى من ذلك مناظرة بين قتادة والزهري في مجلس سليمان بن عبد الملك، وأخرى بين ابن شُبْرُمَة وإياس بن معاوية، تناولا فيها نحو سبعين مسألة. ويُرْوَى أنَّ الشعبي الكوفي كان يجلس في مجالسه، وحوله تلاميذه يناظرونه، وقد كثرت هذه المناظرات حتى نشأ

(1) شوقي ضيف المصدر نفسه، ج 2، ص 196 وما بعدها.

(2) شوقي ضيف، المصدر نفسه، ج 2، ص 203.