الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة: الساحل الغربي أنموذجًا محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة

الجزء ١ · صفحة ٢٨٧

287

did

مركز الترجمة والتعريب والاهتمام باللغير العربية

GCC Center for Translation، Arabization and Promotion of Arabic

عنها علم الاختلاف؛ أي اختلاف الفقهاء، وكان أيوب السختياني (ت 131 هـ / 748 م) يقول: (لا يعرف الرجل خطأ معلمه حتى يسمع الاختلاف)، وأداهم ذلك إلى تحكيم العقل في آرائهم، والتدقيق في مسالك أدلتهم، حتى نشأ بينهم من سُمُّوا أهل الرأي؛ لغلبة القياس على فقههم. وقد تجادلوا طويلًا في مسائل العقيدة، وسرعان ما أخذ علم الكلام في الظهور، وتكونت فيه مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمعتزلة، وكان من أهم المسائل التي أثيرت بينهم مسألة حرية الإرادة، وهل الإنسان حرٌّ مختار في أفعاله، أو هو مجبر مسير؟ ووقف القدرية وعلى رأسهم الحسن البصري (ت 110 هـ / 728 م) يدافعون عن الرأي الأول؛ إذ لو كان الإنسان مُسيَّرًا بقضاء لازم وقدر محتوم لبطل الثواب والعقاب، وسقط وعد الله ووعيده، واصطفت أمام القدرية أصحاب مذهب الجبر، يناضلون عن مذهبهم، وأن كل شيء بقضاء وقدر، وكان هذا المذهب يرضي الأمويين؛ لأنه يصرف الناس عن التفكير في ولايتهم وتدبيرهم لشئونهم، مؤمنين بأن خلافتهم قدر مقدور، يجب عليهم التسليم به من ثم نرى شعراء هم يرددون هذه الفكرة طويلًا، على شاكلة قول جرير (ت) 110 هـ / 728 م يمدح عبد الملك بن

مروان (ت 86 هـ / 705 م): اللهُ طَوَّقَكَ الْخِلَافَةَ وَالْهُدَى

وَاللهُ لَيْسَ لِمَا قَضَى تَبْدِيلُ

وانبثقت من هذا المذهب ومذهب القدرية شعبة المرجئة، فكان هناك جبرية مرجئة وقدرية مرجئة، وكانوا يرون الفصل بين الإيمان والعمل؛ فالمؤمن مسلم وإن لم يؤد الفروض الدينية؛ إذ المعوّل في الإيمان على التصديق بالقلب، وكانوا يرون - أيضا - إرجاء الحكم على أعمال الناس وتركه إلى الله -جل جلاله-، من ثم رأوا إرجاء الحكم في أمر علي وعثمان ومعاوية حتى يحكم الله بينهم. وجعلهم ذلك يصطدمون بالدولة؛ لما تنتهى إليه دعوتهم من تعطيل أحكام الدين وأوامره ونواهيه، ويلقانا منهم أبو رُؤْبة سنة 102 هـ في نفر من أصحابه يحارب مع يزيد ابن المُهَلَّب في ثورته على الأمويين، وفي أخبار عمر بن عبد العزيز أنه طلب أئمتهم في الكوفة من أمثال عون بن عبد الله بن عُتْبَة الهذلي، وناظرهم في آرائهم، ونرى عونًا يرجع من عنده فيبرأ منهم، وينضم إلى الشيعة، مُصوّرا ذلك في أبيات تنسب إليه، تجري على هذا النمط: