الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٩٠الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
ولقد رأينا المأمون يتحامل على سيبويه في المناظرة التي عقدها بينه والكسائي، هذا إلى أنه لما عمرت «بغداد» توافد الناس إليها من كل حدب وصوب؛ فريق يطلب الكسب، وفريق تستهويه الحياة العلمية والفكرية، وفريق يطلب حياة الترف، فإذا «بغداد» معترك يشارك فيه إلى جانب العربي: الفارسي، والرومي والنبطي، والتركي والصيني، والهندي، والبربري، والزنجي وفيهم المسلم والنصراني، واليهودي، والصابئي، والسَّامري، والمجوسي، والبوذي، وغيرهم، وهؤلاء لا شك قد حملوا إلى بغداد ألوانًا من الفكر والثقافة، سرعان ما انتفعت بها «بغداد»، وأثرت فيها، وصحبت هذا رغبة الخلفاء في نقل العلوم والفنون إلى اللغة العربية، فبدأ «المنصور» يعتني بنقل كتب النجوم والطب، ويجيء «الرشيد» فينقل في أيامه كتاب المجسطي. ثم يظل عصر «المأمون» فتتسع حركة النقل في أيامه.
وكان أكثر هؤلاء النقلة من السريان النَّسَاطِرة؛ لأنهم كانوا أقدر على الترجمة من اليونانية، وكان أشهرهم آل بَخْتَيشُوع، وآل حُنَيْن، وقَسْطا بن لُوقَا، وغيرهم، وكان أشهر النَّقَلَة من الفارسية إلى العربية ابن المقفع، والفضل بن نُوبَخْت، وموسى ويوسف ابنا خالد، وكثير غيرهم، ومن الذين نقلوا عن اللغة السنسكريتية (الهندية): مَنْكَة الهندي، وابن، ذهن، ومن الذين نقلوا عن اللغة النبطية الكلدانية): ابن وَحْشِيَّة، نقل كتبا كثيرة، أهمها كتاب الفلاحة النبطية
ولقد بلغ عدد الكتب التي نقلت في تلك الحقبة القصيرة بضع مئات (1). والآن دعونا نتقدم قليلا لنضع اليد على الأدب في البصرة، وسنستعرض ذلك من خلال ما كتب حول الموضوع، على أنني سأقتصر على الشعر فحسب؛ لأنَّ التوسع في كافة الأجناس الأدبية مما هو مُخوجٌ إلى مساحة كبيرة جدًّا، لا يتسع لها هذا العمل، وأحيل هنا إلى ما يقوله الدكتور أحمد كمال زكي (معاصر)، في كتابه الحياة الأدبية في البصرة: «أستطيع أنْ أُقَرّر أنَّ البَصْرَة ينبغي أن تكون مركز تجمع للشعر الجاهلي؛ فتميم رأس قبائل المصر مُتعصبة للقديم، والمربد يُغري الأعراب بحياة تشبه حياة بواديهم وأسواقهم الأصلية، والرواة الذين اشتغلوا
(1) أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المعارف، ص 54.
290