الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٩١291
did
مركز الترجمة والتعريب والاهتمام باللغير العربية
GCC Center for Translation، Arabization and Promotion of Arabic
بجمع الشعر ما فتئوا يبحثون عما يُواكب حركة الاهتمام المبكرة باللغة، وكثير من الشعراء الجاهليين استقروا في المدينة استقرار مَنْ لا يجد فرقا بين حياته الجديدة وحياته القديمة، كل هذا يجب أن يحفظ للشعر الذي دوت به البصرة في مطالع حياته الإسلامية أُطره الأصيلة، وموضوعاته التقليدية، ولغته وليدة البيئة الجاهلية. من ثمَّ يكون من العبث أن أدعي تطورًا أصاب القصيدة العربية في فجر الحياة الإسلامية بالبصرة. كان النَّمِر بن تَوْلَب مثلًا أحد الشعراء الأولين الذين عرفوا بالفصاحة، وقد فتنه المربد، فهاجر إلى البصرة كبير السن لا يقول الشعر، فيما تعود الشعراء أن يقولوه مدحا وهجاء، وإنما قصره على زوجته التي فرت منه إلى أهلها، وكانت أسيرة بعد معاشرة طويلة، على أنه لم يعش طويلا في البصرة، وقيل مات أيام عمر، فماذا أزعم لهذا الشاعر من أثر في المصر الجديد لا شيء أكثر مما أزعمه لعتيبة بن مرداس الذي مدح ابن عباس، فلم يُجِزْهُ، والذي قال عنه أبو الفرج: شاعر مُقِلٌ غير معدود في الفحول، أو المخبل أبو يزيد الذي عاش معظم حياته في الجاهلية، وهاجر إلى البصرة، فظل فيها إلى أن مات في خلافة عثمان، على أننا نرى أحيانًا إزاء هذه الفئة من الشعراء آخرين، صاغوا في حياتهم الجديدة بالبصرة قصيدًا لم يختلف عن قصيدة الجاهليين من هؤلاء أبو الأَسْوَد الدُّؤْلِي، وحَارِث بن بَدْرٍ، وَمَالِك بن الريب، وإن يكن ثمة من لون شعره أحيانًا بمظاهر الحياة الجديدة، كابن مُفَزّع، والحُصَيْن بن المنذر، ولكن الجميع كانوا جاهلين في أكثر فَنّهم تفكيرًا وديباجة؛ فأما أبو الأسْوَد فهو يُمتِّل اتجاها سياسيًّا عَدَّهُ غريبًا من أوَّل الأمر في المصر؛ فهو شيعي مع أن مُري، واتجاهه الشيعي يُحدّد موقف تميم منه نهائيا، وهذا يُفسّر عداء البصريين له، وتعصب الأمويين ضده، ويُصوّر أبو الفرج هذا الشاعر تصويرًا أسطوريا؛ فهو تابعي فقيه محدث كاتب بخيل فارس داهية شريف أصلع، ويحفظ لنا أشعاره التي يتشيّع بها، ويهجو فيها زياد بن أبيه. هذا الشاعر سواء كان منصرفًا إلى المُنَافَحَة عن موقفه السياسي أم إلى شؤونه اليومية، يُغطي نمطًا لا يختلف في شيء عن أنماط الجاهليين، فثمة فصاحة تسم ألفاظه، ومتانة تميز عباراته، وإحساس قوي باللغة، كان لا شك من الأسباب التي جعلته أحد الذين يسهمون في وضع أسس نحو، ولنسمعه على أية