الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة: الساحل الغربي أنموذجًا محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة

الجزء ١ · صفحة ٢٩٢

292

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا

حال يقول:

وَأَهْوجَ مِلْحَاحٍ تَصَامَمْتُ قِيلَهُ أنَ اسْمَعَهُ وَمَا بِسَمْعِيَ مِنْ باسِ

ولو شئتُ قَدْ أَعْرَضْتُ حَتَّى أَصِيبَهُ فإِنَّ لِسَانِي لَيْسَ أَهْوَنَ وَقَعَةً

ويقول:

لَعَمْرِي لَقَدْ أَفْشَيْتُ يومًا فَخَانَنِي فَمَزَّقه مَزْقَ الْعَمَى وَهْوَ غَافِلٌ ويقول في أحد الهذليين ويدعى أبا الجَارُود

أَبْلِغْ أَبَا الجَارُودِ عَنِّي رِسَالَةً

فيُخْبِرنا مَا بَالُ صَرْمِكَ بَعْدَمَا

لَئِنْ كُنْت قَدْ أَزْمَعْتَ بِالصَّرْمِ بَيْنَنَا فإِنِّي إِذَا مَا صَاحِبٌ رَثَّ وَصْلُهُ

عَلَى أَنْفِهِ حَدْبَاءَ تَعْضلُ بالآسي وَأَصْغَرَ آثارًا مِنَ النَّحْتِ بِالْفَاسِ

إلى بَعْضٍ مَنْ لَمْ أَخْشَ سِرًّا مُمَنَّعا وَنَادَى بِمَا أَخْفَيْت مِنْهُ فَأَسْمَعَا

يَرُوحُ بِهَا الْغَادِي لِرَبْعِكَ أَوْ يَغْدُو رَضِيتَ وَمَا غَيَّرتَ مِنْ خُلُقٍ بَعْدُ لَقَدْ جَعَلَتْ أَشْرَاطُ أَوَّلِهِ تَبْدُو وَأَعْرَضَ عَنِّي قَلَّ مِنِّي لَهُ الوَجْدُ

ومن المؤكد أن روح تلك الأبيات جميعا تدل على أنها إسلامية، فديباجتها تمسح عليها دماثة عذبة، إلا أن الصياغة بمتانتها تربطها بذلك الشعر الذي ألفته الجاهلية؛ فالعبارات موجزة لا حشو فيها، والكلمات فصيحة ذات رنين قوي وأمثال: (ملحاح، وتصاممت، وحدباء، ولعمري، ومزق، وصرمك، ورث) مما يبني بناء قديمًا .. مما يصوغ صياغة عتيقة .. مما يدل على صنعة محكمة، قوامها مراسيم تقليدية، وتراكيب ترتبط بنماذج متداولة منذ بعيد. مبنى الشعر إذن عند أبي الأسود قديم، وهو كذلك حتى في تلك القصائد والمقطعات التي يُصوّر بها ما يعرض له من أسباب معيشية مختلفة، وقد نرى آيات ذلك حين نأخذ أنفسنا بمناقشة المحتوى بعد قليل، فإن اخترنا بعد أبي الأسود شاعرًا آخر لا نكاد نحس خلافا في الصياغة، بل سنجد هذا الطابع الجاهلي الذي يطبع شعر الأولين عادة، وأمامنا مالك بن الريب مثلا فرديَّا ثانيًا، وقد نستطيع أن نكتفي بما يُرْوَى عنه أنه وُلِدَ ونشأ في بادية بني تميم بالبصرة، إلا أنَّ من تمام الفائدة أن نقرأ له معا تلك الأبيات التالية، التي يرويها لنا أبو الفَرَج (ت 356 هـ / 967 م):