الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
ينتقل بعدها إلى عصر الفحول، فيقول: «الكلام عن الفحول يقصد به أربعة أولهم جرير ثم الفرزدق فذو الرمة والراعي وغيرهم، كان يسير في الركاب تابعًا، وربما كان ثمة من حاول الالتحام في المعركة التي نشبت بين عملاقي تميم فأَخْمِل، كمُرَّة بن مُحْكَان التميمي (ت 70 هـ / 690 م)، الذي مثل في عصره شعر البداوة، وربما كان ثمَّة من شرف بالانتساب فقط إلى العصر، كالعديل بن [الفرخ] (ت: نحو 100 هـ / 718 م، الذي ينتمي إلى فرع ربعي، والذي صادق الفرزدق فرثاه حين مات، وما أظن أن يتّسع هذا المجال لدراسة كل شعر هؤلاء؛ فإن مناقشة نقائض جَرِير والْفَرَزْدَق وحدهما تستطيع أن تملأ أكثر من كتاب كهذا الكتاب، فما بَالُنَا بقصيد غيرهما، لهذا كان من الضروري أن نمرُّ عجلين، ونقف عند المعالم الكبرى، ثم نقول بعد ذلك إنَّ شعر الفحول كان تقليديا بكل ما في التقليد من فعالية، وهم حاولوا -بحق- الاقتداء بالأوائل في كثير من ألفاظهم، حتى حصلوا على التوعير والإغراب، ومنهم كالفرزدق من تعسف ما قدر، وتغلغل في التعصب ما استطاع، حتى أرضى عنه العلماء، فكان شاعر الخاصة الذي لا يعنيه إلا الأسلوب الفخم والعبارة القوية واللفظ الغريبة، ولقد أرصد لذلك كله من الحمل على القريحة ما صار به شعره بعيدا عن القلب، قريبًا إلى العقل، وربما لو قيس به شعر جرير وقد ترقق فيهـ تبين فيه اللين حتى ليظنُّه بعضنا ضعفًا، وحتى ليجمع القوم على أنه نزل به إلى العامة، فكان شاعرهم، ولا تعنينا المقارنة الآن، فغاية ما نريد أن نذكر أن الحقبة التي أطلق عليها عصر النقائض كانت تمثل المدرسيَّة تمثيلاً صادقًا؛ بحيث يمكن بسهولة أن نضع وراء كل شاعر جاهليا رحل! وقد افتخر الفحول أنفسهم بتلمذتهم على قدماء، فدللوا على أنهم كانوا ذوي بصر بالقديم والروايات التي تحدد ملامح تلك التلمذة الواعية موفورة، بل ربما قرَّرت أنَّهم كانوا يستفتون في أقدار الأولين، فأحد أعقاب جرير يقول: قال عبد الملك أو الوليد ابنه لجرير: من أشعر الناس؟ قال: فقال ابن العشرين (يعني طرفة)، قال: فما رأيك في ابن أبي سلمى؟ قال: كان شعرهما نيّرًا يا أمير المؤمنين. قال: فما تقول في امرئ القيس؟ قال: اتخذ الخبيث الشعر نعلين، وأقسم بالله لو أدركته لرفعت له ذُلاذِلَه أسافل كل قميص طويل). قال: فما تقول في ذي الرمة؟ قال: قدر من طريف الشعر وغريبه
296