الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٩٧297
did
مركز الترجمة والتعريب والاهتمام باللغير العربية
GCC Center for Translation، Arabization and Promotion of Arabic
وحسنه ما لم يقدر عليه أحد. فلا غرو أن يسلك نُقاد العصر كل شاعر أموي في مدار جاهلي، فجرير في رأي أبي عمرو بن العلاء (ت 154 هـ / 771 م) يشبه الأعشى، والفرزدق كزهير، والأخطل مثل النابغة، والواقع أن العلماء كافة كانوا يَرْسُمُون في ضوء هذه النظرة التَّصْنِيفِيَّة سُبل الشُّعَرَاء الفنية، ويريدونهم على ضرب من التأمل النظري أكثر مما يريدونهم على وصف حالاتهم وعواطفهم. وتعيش هذه المدرسة شامخة إزاء الجاهليين، وينتصر مذهبها على مذهب المحدثين، حتى لا يبدو أمام الجميع أن شعرها خير من الشعر العباسي، ثم خير من أيّ شعر جاء بعده، لذلك زعم قوم أن ساقة الشعراء رؤبة وابن هرمة وابن ميادة والحكم الحضري، فإذا انتهى إلى من بعدهم -بشار وأبي نواس وطبقتهما - سُمّي شعر هم مُلَحًا وظرفا، واستحسن منه البيت بعد البيت، استحسان النادرة، وأجراه مجرى الفكاهة. ولقد كان لأخذ القصيدة الأموية صورة القصيدة الجاهلية في تفاصيلها ما حدا بعلماء القرن الثاني والثالث إلى أن يقولوا مثل ما قال ابن قتيبة: (وَلَيْسَ لِمُتأخّر الشُّعَرَاء أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مَذْهَبِ الْمُتَقَدِّمِينَ)، ويحدد هو هذا المذهب في خطوطه الكبرى بتدرج القصيد، من ذكر الديار والدمن واستيقاف الرفيق، إلى النسيب وذكر الصبابة والشوق، ثم إلى رحلة الشعر، وسُرَى الليل فيه، وحرّ الهجير، حتى يوجب حق الرجاء فيكون المدح، أما التفصيل فإنه يكون باستخدام العناصر الفنية القديمة؛ حتى ليخطئ من يقف على منزل عامر، ومن يرحل على حمار، ومن يرد المياه الجواري، ومن يقطع إلى الممدوح منابت الورد والنرجس والأس» (1)، بعدها استعرض ما قيل في الفحول، ومما جاء فى جملة كلامه «هؤلاء لم يكونوا في درجة واحدة من التفوق والظهور وتفاوت في الترتيب بقدر ما كان في شعرهم من بدائل وخشنة ورصانة، إلى جانب تنوعه، وتعدد ضروبه، أمَّا جرير والفرزدق والراعي ففي أولى الطبقات الإسلامية مع الأخطل، واعتبرهم ابن سلام جميعا متكافئين متعادلين، وبدأ بالفرزدق ثم عقب بجرير وختم بالرَّاعي، وأما ذو الرُّمة والبُعَيْث ففي درجة واحدة، بغض النظر عما يمتاز به الأول من ضروب التشبيهات التي
(1) د. أحمد كمال زكي، المصدر نفسه، ص 270.