الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٢٩٨الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
حسده من أجلها كلُّ من جرير والفرزدق، وأمَّا عُمَر بن لَجَ البصري فلا يتأخر عن الكبار عند ابن سَلام، من ثمَّ فهو يضعه في الطبقة الرابعة الإسلامية في حين يتأخر مُزاحِم العقيلي عنده، فيكون أحد الأربعة من الطبقة العاشرة وقد جاء أبو الفرج مِنْ بعده فاحتفى به، وقال عنه: إنه شاعر فصيح إسلامي، وصاحب رجز، وذكر أنَّ جريرًا كان يقرّظه ويقدمه، أمَّا العجاج ورؤبة فهما اثنان من الأربعة الذين يكونون الطبقة التاسعة في الإسلام، ويبدو أن تأخرهما عند ابن سلام راجع إلى اشتغالهما بالرجز، والرجز عند العلماء دون القصيد، وثمة شعراء لا يعرض لهم ابن سلام، وهو أوّل بصري يضع أول كتاب في طبقات الشعراء أواخر القرن الثاني، ولكنَّ أسماءهم تتردد، وأشعارهم ترتفع من بين حين وحين، وكان من هؤلاء مِسْكِين الدَّارِمي، ومُرَّةَ بن مَحْكَان، الذي أشرنا إليه، وجرير بن خَرْقَاء العِجْلِي، شَتَّام بكر بن وائل، وغسان السليطي، والسَّرَنْدِي، الذي كان يعين ابن لَجَاً على جرير، والعباس بن يزيد الكندي، وهشام المُرّي، ويَزِيد بن الْحَكَم الذي يقال إنَّ الفرزدق سمع بعض شعره، فقال: (كأنَّ شعره شعرنا)؛ يريد أنه في مستواه وفي رصانته وقوة أشره، أما ما قيل في المشهور منهم فكثير، إلا أنه يدور في أغلبه حول تحقيق المثل الجاهلي في المبنى؛ فالفرزدق يقول عن نفسه وعن جرير: إني وإيَّاه لنغترف من بحر واحد، وتضطرب دلاؤه أي دلاء جرير - عند طول النهز)؛ كأنه أراد لين خصمه في اللفظ، وقد وصف شعره أي جرير بالرقة مع ذلك، في حين وصف شعر الفرزدق بالصلابة، ويقول عنه ابن قُتَيْبَة البصري: (كان مِعَنَّا مِفَنَّا)، والمِعَنِّ: الشخص ذو العنان والاعتراض؛ يريد أنه فصيح يدخل في كل شيء، وقد وصفه خالد بن صَفْوَان بفصاحة اللسان، وقال عنه شبَّة بن عِقَال: (إنه ينحت من صخر)، وقال يونس بن حبيب (لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب)، وأمَّا جَرِيرٍ فإن ابنه عِكْرِمَة سأله عن شاعر الجاهلية، فذكر زُهَيْرًا، قال: قلت: فالإسلام؟ قال: الفَرَزْدَق نَبْعَة الشَّعر، قلت: فالأخْطَل؟ قال: يجيد مدح الملوك، ويصيب صفة الخمر، قلت فما تركت لنفسك؟ قال: دعني؛ فإنّي نحرت الشعر نحرا؛ كأنه يريد قتل الشعر استمكانًا، منه واقتدارًا عليه، وأما الراعي فقد قالوا عنه: (إنَّه كان فَحْل مُضَر، ضغْمَه الليث؛ يريدون جريرًا، في حين أنَّ البُعَيْث
298