الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة: الساحل الغربي أنموذجًا محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة

الجزء ١ · صفحة ٢٩٩

299

did

مركز الترجمة والتعريب والاهتمام باللغير العربية

GCC Center for Translation، Arabization and Promotion of Arabic

وصف بأنه شاعر فاخر الكلام، حرُّ اللفظ، وقال الفَرَزْدَق عن شعر العديل على نحو ما رأينا؛ كأنه شعرنا، وقال ذو الرُّمَّة عارضًا لمُزَاحِم العقيلي: (إنه يقول وحشيا من الشعر، لا يقدر على مثله أحد)، وكل ذلك يدلُّ على أنّ شعر الفحول وجة من قبل الأذواق توجيها محافظًا؛ فكانت بداوة الأسلوب أكبر ما يربط شعر البصرة في تلك الفترة بالأدب الجاهلي، وكان اللغويون يعينون على ذلك -كما قدمنا-، حتى إنَّ أبا عمرو بن العلاء يتحرَّج في رواية شعر جرير، ويقف عند ذي الرُّمَّة، مُختتمًا به الشعراء، وكان يونس بن حبيب يُقدّم الفرزدق على غير الفرزدق، ويُقدِّمه المفضل تقدمة شديدة، وقال يُونس عن رُؤْبَة والعَجَّاج: (هما أشعر أهل القصيد، وإنَّما الشعر كلام، فأجوده أشعره).

ونستطيع بعد هذا الاستقراء أن نعود إلى شعرهم لنرى مصداق قولهم، وسنلحظ في عنايتهم بانتقاء الألفاظ الرصينة الدليل على تحقيق لون من ألوان المثل الجاهلي، فضلا عن أن قوة العبارة تربطهم بعجلة الأولين (1)، خلص بعد تمثيل إلى القول - مُلاحِظًا تعمد الغريب في اللغة، والقصد إلى تمثل شعر الأقدمين، وانتحاء طريقتهم في التعبير والألفاظ: «لقد ظهر بحق أن هذه الفنون قد هيأت لها الأسباب لتقوى، وإنَّ ما نقوله من أمر اللغة واضح ملحوظ، وإلا فإنَّ علينا أن نعود إلى النقائض لنقرأ ما يضطر إليه الشراح من تفسير أيام العرب، وما يتّصل بأيام العرب، وكان الذين يتحدثون هذا الحديث هم الأعراب، الذين أخذت عنهم اللغة فيما بعد، والذين عُرفوا بالفصاحة، وبقوة العبارة، وربما استطاع مؤرخ الأدب العربي إلى درس ما خلفه ابن المقفع في أدبيه الصغير والكبير، وما كتب أصحاب اللغة من الذين اشتغلوا في الأدب ونقده أن يحس الفارق بين عبارتين؛ واحدة تتكلف روح العربية فأعْوَزَتْها البداوة، وواحدة تنطق بها عن بداهة، وأصالة، فجاءت مُمثلة للطبيعة البدوية الخالصة، واضطر كثير من الأدباء إلى اصطناع الغريب، وتكلُّف الخشن فيه؛ فيَحْيَى ابن يَعْمُر مثلا يثير الحجاج بأسلوبه الغليظ، وكان عيسى بن عُمَر فصيحًا يتقعر في كلامه، ويَعْدِل

(1) د. أحمد كمال زكي، المصدر نفسه، ص 273.