الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة: الساحل الغربي أنموذجًا محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة

الجزء ١ · صفحة ٣٠١

301

did

مركز الترجمة والتعريب والاهتمام باللغير العربية

GCC Center for Translation، Arabization and Promotion of Arabic

على أننا إذا ما تجاوز كل تلك العصور، والأدوار التي مرت بالبصرة، وقفزنا قفزة كبيرة جدًّا إلى عصرنا الحديث اختصارًا للموضوع والزمن، ألْفَيْنَا كاتبًا آخر، يستحضر في إحدى الصحف الإلكترونية حديث الماضي الجميل، ويُذكّر بأسماء لمعت نجومها في البصرة، ويحاول جاهدًا أن يُقدّم إشراقة حول حياة الفكر والأدب البصرية في حاضرها حسب رصده لها رائمًا قراءتها قراءةً لا تخلو من مسْحَة أدبية، مُسْتمدًا قوّة ما يكتب، أو يُصوّر معناه، من وحي الذاكرة الحيَّة، يقول: حين نتحدث عن الأدب والحياة بمجملها في العراق، فإن البصرة ستقف في المقدمة من هذا الحديث، بل لا يمكن الحديث عن الأدب والزيادة من دون الحديث عن دور البصرة؛ بصفتها مصدرًا للتنوير والتحولات في الأدب والحياة. وهذه القضية لها دواعٍ كثيرة، تقف في مقدمتها طبيعة البصرة؛ بصفتها ميناءً يستقبل ويودع يوميا آلاف الجنسيات الأجنبية، مما يعني أن البصرة مَوْئِلٌ للثقافات وللاختلاف وقبل الميناء، سيلوّح لنا التاريخ بيده، وهو يتحدث عن نفسه في أزقة البصرة القديمة، حيث ولد الفلاسفة والمفكرون والشعراء والكتاب والمشاكسون لكل شيء، فالبصرة هي المكان الذي نبتت فيه المدارس الفكرية والكلامية، والفلسفية، والنحوية والشعرية؛ ففي أزقتها درج بشار بن برد وأبو نواس، وفيها شب الخليل بن أحمد الفراهيدي، وبين حاراتها القديمة وُلِدَ الجاحظ، وكتب بيانه وتبيينه فيها، وسار في شوارعها، ودفن في ترابها، ومنها انطلقت المدارس النحوية والميولات العقائدية، وتحت شمسها اللاهبة دارت الصراعات الكبرى، فما عرفنا المعتزلة ووَاصِل ابن عَطَاء إلا من جوامع البصرة ومدارسها الفكرية، ولا اقتربنا منه إلا حين اعتزل درس أستاذه الحسن البصري في قلب البصرة القديمة، وما تراب البصرة الآن إلا تراب غفت تحت أدراجه العقول العظيمة، وتسللت تحت رمضائه الأفكار الكبرى، وما السائر فوقها إلا وهو يسير على مئات وآلاف السنين من الرُّوح الحيَّة فيها، وكبار السحرة الذين ملأوا العقل العربي نوادر وقصصا ومعارف لا تنفد، فلم نسمع بالتعايش الحقيقي بين جميع أهل الديانات إلا في البصرة، بل إنها انفتحت لكل من ليس له دين،