الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة: الساحل الغربي أنموذجًا محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة

الجزء ١ · صفحة ٣٠٢

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا

ولهذا فالبَصْرَة عَصِيَّة على التوصيف؛ فإذا كان العراق جمجمة العرب -كما يقولون فقطعًا ستكون البصرة هي العقل الموجود داخل هذه الجمجمة، ودائمًا ذلك العقل هو المحرّك لكل أطراف الجسد؛ به يفكر، وبسبب من إيعازاته يقوم الجسد، وتتفتح العيون، وينطلق اللسان والبصرة لم تكن على طول عمرها في التاريخ إلا حاضنة للحوار، وضحكة نبتت على ثغر هذه البلاد الموكولة بالأنين، والراعية لكل المواويل والبصرة خبزة لكل جائع، ونجمة مضيئة دليلًا للحائرين؛ لم نسمع يوما أن البصرة أكلت أبناءها، ولا مرَّ على تاريخها الطويل أنها سكبت أحبتها في البحر، بل دائمًا [ما] نسمع عنها أنها عبارة عن بيت ومضيف كبير، يلوح للقادمين والجائعين والسهارى في النوم بحبّ تحت أركانه، وحين نتحدث عن البصرة القريبة منَّا، تاريخيا، بصرة القرن العشرين والحادي والعشرين، فإننا لم نعرف إلا أنها تستقبل الملوك بضحكتها، وتُودّع العشاق بغمزة عين، فتحت شواطئها فنبت الغناء تحتها، وبين أمواجها صدح المغنون، وخلف سفائنها ناح التائهون، ومن خلالها عرفنا الهند وما وراءه، وبسببها زرع الخليج أحلامه نخلها أكثر من أحلام أبنائها، وحلم أبنائها أشهى من برحيها ورازقيها، والبصرة - أدبيا - تميزت بميزات كثيرة، وسأتحدث عن البصرة المعاصرة - كما قلت من النصف الثاني من القرن العشرين صعودًا للحظتنا الراهنة. فهي فضلاً عن أهميتها في الريادة الشعرية، وفضلاً عن رفدها السَّاحة الأكاديمية والإبداعية بأسماء كثيرة مهمة، انتشرت في العاصمة بغداد لتختلط في ملامح المدينة، وتكون جزءًا من الناتج القومي للأدب والفكر بشكل عام، فإنَّ البصرة امتازت بأن يبقى فيها حارسان دائما من طبقة الأدب، بشقيه الشعري والسردي، هذان الحارسان يتناوبان على حراسة الجمال في المدينة، ويُصِرَّان على أن يكونا دائما معا، وأنْ يُنْتِجَا أدبًا في الوقت نفسه.

وهذه الظاهرة امتازت بها البصرة بأن يكون شاعرٌ وقاص متلازمين معا ويكونان نموذجين، مُصَدِّرَين للعراق كلّه إبداعًا وجمالا، ولكنهما يمثلان علامة فارقة في روح المدينة، فمثلا السَّيَاب تجد معه القاص الروائي مَهْدِي عيسى

302