الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٣٠٨الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
هـ
يدل على تحضّرهم في باديتهم، وتبدّيهم في تحضّرهم، وتحليهم بأشرف أحوال الأمرين، أسواقهم التي لهم في الجاهليّة، مثل: دَوْمَة الجَنْدَل بقرى كَلْب؛ وهي النصف بين العراق والشام، كان ينزلها الناس أوّل يوم من شهر ربيع الأول، فيقيمون أسواقهم بالبيع والشراء، والأخذ والعطاء، وكان يُعشِرهم أكَيْدِر دَوْمَة وربما غلبت على السُّوق كلب فيُعسّرهم بعض رؤساء كلب، فيقوم سوقهم إلى آخر الشهر، ثم ينتقلون إلى سوق هَجَر، وهو المُشقَّر في شهر ربيع الآخر، فتقوم أسواقهم، وكان يُعشِرهم المُنْذِرِ بن سَاوَى (ت 11/ 633 م)؛ أحد بني عبد الله بن دارم، ثم يرتحلون نحو عُمان فتقوم سوقهم بديار دبا، ثم بصحار، ثمّ يرتحلون فينزلون إرَم، وقرى السّحر فتقوم أسواقهم أيَّامًا، ثم يرتحلون فينزلون عَدَن أبين، ومن سوق عدن تشترى اللطائم وأنواع الطّيب، ولم يكن في الأرض أكثر طيبًا، ولا أحذق صناعا للطَّيب من عدن، ثم يرتحلون، فينزلون الرابية من حضرموت، ومنهم من يجوزها ويَرِدُ صنعاء، فتقوم أسواقهم بها، ومنها كانت تجلب آلة الخرز والأدم والبُرُود، وكانت تجلب إليها من مُعَافِر؛ وهي معدن البرود والحبر، ثم يرتحلون إلى عكاظ وذي المَجَاز في الأشهر الحُرُم، فتقوم أسواقهم بها، فيتناشدون ويتحاجون ويتحادُّون، ومن له أسير يسعى في فدائه، ومن له حكومة ارتفع إلى الذي يقوم بأمر الحكومة من بني تميم، وكان آخرهم الأَقْرَع بن حابس (ت 31 هـ / 651 م)، ثم يقفون بعرفة، ويقضون ما عليهم من مناسكهم، ثم يتوجهون إلى أوطانهم، وهذه الأسواق كانت تقوم طول السنة، فيحضرها من قرُبَ من العرب ومن بعُدَ. هذا حديثهم، وهم هملٌ لا عزَّ لهم إلا بالسُّؤدد، ولا معقل لهم إلّا السَّيف، ولا حصون إلَّا الخيل، ولا فخر إلَّا بالبلاغة» (1)، والمربد سوق قرب البصرة، كان في الإسلام كسوق عكاظ في الجاهلية، وكان المربد ميدان التنافس بين الخطباء والشعراء. قال ابن قتيبة (ت 276 هـ / 889 م) في عيون الأخبار: «قال جعفر بن سليمان العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، ودارين عين المربد (2).
(1) أبو حيان التوحيدي علي بن محمد بن العباس، الإمتاع والمؤانسة، المكتبة العصرية، بيروت، ط الأولى، 1424 هـ)، ص 76.
(2) أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، عيون الأخبار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى، 1418 هـ)، ج 1، ص 323.
308