الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٣٢٤324
الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا
وفي شأن انقطاعه للعلم، واشتغاله بالتأليف، وبخاصة كتابه العين، وجدت ابن المعتز (ت 296 هـ / 909 م يحكي في طبقات الشعراء: «حدثني أبو العباس أحمد بن عبد الله بن محمد بن جعفر قال: حدثني الحسن بن المهلبي قال: كان الخليل بن أحمد منقطعًا إلى الليث بن نصر بن سيَّار، وكان الليث من أكتب الناس في زمانه، وكان بارع الأدب، بصيرا بالنحو والشعر والغريب، وكان يكتب للبرامكة، ويطير معهم في دولتهم بجناحين، وكانوا به معجبين، فارتحل إليه الخليل بن أحمد، فلما عاشره وجده بحرًا، فأجزل له وأغناه وأحب الخليل أن يُهدي إليه هدية تليق به، فأقبل وأدبر، وعلم أن المال والأثاث لا يقع منه موقعًا حسنا؛ لوجود ذلك عنده، وكثرته لديه، وأنَّه لا يسرُّ بشيء سروره بمعنى لطيف من الأدب، فجهد نفسه في تصنيف كتاب العين، فصنفه لليث بن نصر دون سائر الناس، ونمَّقه وحبَّره، وأخرجه في أسْرَى ظرف، وأحسن خط، فوقع منه موقعا عظيمًا، وسُرَّ به سرورًا شديدًا، فوصله بمائة ألف درهم، واعتذر إليه من التقصير، وأقبل ينظر فيه ليلا ونهارًا، ولا يمل منه ولا يفتر (1).
رغم اشتغال الخليل بالعلم، وانكبابه عليه، وتفانيه فيه، وانقطاعه له، إلا أنَّه كان يقول الشعر، وتحفل كتب الأدب والتراجم والتواريخ بمنثورات من شعره، وإنْ كان مُقِلًّا أصلًا في قوله، وهو شعر تظهر فيه شخصية المؤمن الواثق بالله
الزاهد فيما عند الناس المُتعلّق بربه، ويغلب على شعره الوعظ والحكمة. وبالجملة فللخليل قصص كثيرة جدًّا، تشهد له بجلالة القدر، وعلو المنزلة، ورفعة المكانة، والنبوغ والاجتهاد، وإفناء العمر في التحصيل وطلب العلم النافع وبذله، والأخذ بأيدي الناس لما فيه صلاح أمورهم؛ في معاشهم ومعادهم -رحمه الله رحمة واسعة.
(1) عبد الله بن محمد ابن المعتز العباسي، طبقات الشعراء، تح عبد الستار أحمد فراج، الناشر: دار
المعارف – القاهرة، ط: الثالثة، د. ت)، ص 143