الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة: الساحل الغربي أنموذجًا محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة

الجزء ١ · صفحة ٤٢

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا

صارت ثغر العراق الذي تمر به التجارة إلى هذا الإقليم الغني، ولا ريب في أنَّ هذا الازدهار التجاري كان له الأثر في نمو الحياة الاقتصادية فيها، وتوجيهها، ومكنها بالتالي من الاحتفاظ بمكانتها حتى قيام الخلافة العباسية، في حين أنَّ الكوفة أصابها بعد قيام تلك الخلافة التدهور والضمور (1).

بكلمة واحدة كانت البصرة مَجْمَعَ، الخليج، وسُرَّته، ومُنْتَهَاهُ؛ فعند شطها (شط العرب يلتقي الساحلان الشرقي والغربي -؛ وتأخذ بذلك البصرة زمام أمريهما؛ وقد أَلْمَحَ إلى هذا المعنى وتفطن إليه في مرحلة باكرة جدا ابن الفقيه الهمداني (نحو 340 هـ / 951 م في كتابه البلدان، وهو يقول: «من ولي العراق فقد ولي البصرة والكوفة والأهواز وفارس وكرمان والهند والسند وسجستان وطبرستان وجرجان والعراق في الطول من عانة إلى البصرة، والبصرة تتاخم الأهواز والأهواز تتاخم، فارس، وفارس تتاخم کرمان و کرمان تتاخم كابل، وكابل تتاخم زرنج، وزرنج تتاخم الهند» (2) انتهى كلامه.

وإذا كانت البصرة قد ضربت شوطًا بعيدًا في تفاعلها الحضاري مع العالم وفي ربط الشرق بالغرب، فقد اكتسبت -كذلك- بُعْدًا إداريًا في مرحلة قريبة منا؛ فقد كان لواء البصرة العثماني مُهَيْمِنًا على جواره، حتى اضمحل العثمانيون وتلاشي دورهم في المنطقة. عُرف هذا اللواء بأنه زراعي، شهر بكثرة نخله وجودة تمره. كان يحده من الشمال لواء العمارة، ومن الجنوب الخليج، ومن الشرق بلاد إيران، ومن الغرب الصحراء الشامية، هواؤه رطب ثقيل، وماؤه عذب؛ لأنَّه يتكون من نهرين عذبين عظيمين؛ هما دجلة والفرات، ومعظم أراضيه تُسْقَى سَيْحًا؛ لأنَّ المد والجزر الناشئين من جاذبية الشمس والقمر وسيلانية الماء هما العاملان الأساسيان في صعود الماء وهبوطه، والمد هو الذي يروي أراضي هذا اللواء، ويجعلها غابة كبيرة من النخل؛ فالماء في شط العرب يعلو في كل 24 ساعة مرتين، فيسقي الأراضي الكثيرة بدون استعمال

(1) د. صالح أحمد العلي، خطط البصرة ومنطقتها دراسة في أحوالها العمرانية والمالية في العهود الإسلامية الأولى»، المجمع العلمي العراقي جمهورية العراق، ط: الأولى، 1406 هـ / 1986 م)، ص 7. (2) أبو عبد الله أحمد بن محمد بن إسحاق الهمداني المعروف بابن الفقيه البلدان، تح: يوسف الهادي، (عالم الكتب، بيروت، ط: الأولى، 1416 هـ - 1996 م)، ص 199.

42