الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة: الساحل الغربي أنموذجًا محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة

الجزء ١ · صفحة ٥٨

TD

الصلات الأدبية بين الخليج والبصرة الساحل الغربي أنموذجا

هبَّتْ لنَا الْرِّيحُ مِنْ تِلْقَاءِ كَاظِمَةٍ

وَمَا عَرَفْتْ نَسِيمُ الْرِّيحِ مِنْ بَلَدِي

وَهْنًا فَكَمْ رَدَّ نفْحُ الْرِّيحِ مِنْ رَوْحِ

إِلَّا بِعَرْفِ حَبِيبٍ هَبَّ فِي الْرِّيح

ولعل من أشهر أولئك على الإطلاق شرف الدين البوصيري (ت 696 هـ / 1296 م)، الذي استهل رائعته في مدح النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بالقول: أَمْ هَبَّتِ الرَّيحُ مِنْ تِلْقَاءِ كَاظِمَةٍ وَأَوْمَضَ الْبَرْقُ بِالْعَلْيَاءِ مِنْ إِضَمِ وذهب بعضهم إلى أن كاظمة التي يذكرها شعراء المديح النبوي، في المدينة أو في الحجاز، أو هي اسم من أسماء المدينة المشرفة (1)؛ معللاً ذلك بالقول: «لأنه ذكر (إضم) وهو وادٍ حجازي، يبدأ بعد اجتماع سيول المدينة» (2)، قلت: وما المانع دون قطع بذلك أن يكون قد قصد الموضع الذي نُعرّف به، ونتدارس ما قيل حوله، بخاصة إذا ما علمنا أنَّ عين الشاعر البوصيري كانت على الجزيرة العربية من جهة الغرب؛ فلا فرق معه حينئذٍ بين موضع فيها وآخر؛ فما يهبُّ عليه أو يرى وميضه من جهة الجزيرة العربية يحمله على الهياج والتأثر، فضلًا عن كون كاظمة محل البحث كانت طريق الحج العراقي -كما يُعْلَم، وهو بعْدُ هنا يتساءل: ما الذي هيّج أشجانه، وبعث أحزانه، ومزج دمعه بدمه، جعل ذلك على سبيل الخطاب؛ لمخاطب افترض وجوده؛ على طريقة الشعراء؛ يقول: أهاجتك تلك الريح التي هبت عليك من تلقاء كاظمة، أم ذلك البرق الذي ترى وميضه على الأفق الشَّرْقي؛ بوادي إِضَم؟!

وبصرف النظر عن كون هذه الريح طيب المحبوب، أو ريح من جهة أرضه، أو قريبًا من ذلك، إلَّا أنَّنا نجد غير واحد من الشعراء يستحضر هذا المعنى في

شعره؛ فهذا شاعر آخر يقول:

أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ أَحْبَابِي الَّذِينَ نَأَوْا

أستنشقُ الرّيحَ مِنْ تِلْقَاءِ كَاظِمَةٍ

وخلَّفُوني فِي نيرانِ تَبْرِيح

لَقَدْ قَنَعَتْ مِنْ الأحْبَابِ بِالرِّيح

وما أجمل تمهيد الصفدي (ت 764 هـ / 1363 م) في لوعة الشاكي ودمعة

(1) أفندي، عمر بن أحمد الحنفي، عصيدة الشهدة (د. ن، ط: الأولى، د. م. مطبوع حجري»)، ص 7. (2) شراب، محمد بن محمد حسن المعالم الأثيرة في السنة والسيرة دار القلم، الدار الشامية، دمشق - بيروت، ط: الأولى - 1411 هـ)، ص 229.

58