الدور العماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٠٢الدورُ العُماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
عليه حتى يأتيك وقد أخذت من حذرك، وشددت له أزرك، ولا يأتيك بغتة فيهرك".
إنَّ تعظيم الآخرة والموت من حسن خلق الإنسان مع ربه؛ إذ يدرك منزلته الفانية أمام الله الباقي والنصوص التي أوردها الحمسعيدي عن فناء الدنيا واستحضار الموت تكشف عن منهج تربوي بالغ العمق؛ إذ يجعل من تذكر الآخرة وسيلة لتزكية النفس وردعها عن الغفلة كما تتضمن النصوص تحذيرًا صارمًا من الانغماس في الدنيا على حساب الاستعداد للآخرة؛ فالإنسان قد يغتر بمتع الحياة ويهرب من تكاليف الطاعة، غير أن الموت قاطع للطريق، يأتي بغتة ليوقف مسيرته، فيجعل الغفلة أشد خطرًا، وهنا يرسخ الحمسعيدي لمبدأ تربوي بأنَّ استحضار الموت باستمرار يزرع في النفس يقظة دائمة، ويجعلها أكثر وعيًا بمسؤوليتها الأخروية.
والإكثار من ذكر الموت مطلوب لتربية القلب على الخشية والتهيؤ، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى يأس أو هروب من التكليف، ولذلك قرنه بشرط "وثيق"، وهو الاستعداد الكامل بلقاء الله بالعمل الصالح، فذكر الموت هنا ليس دعوة للتشاؤم، بل وسيلة لشحذ الإرادة وضبط السلوك؛ ليبقى الإنسان بين خوف ورجاء، عاملًا للحياة بوعي المصير. أما ذكر الحمسعيدي لأثر علي بن أبي طالب ففيه تصوير بليغ للموت كضيف مباغت لا يقبل استئذانًا؛ مما يستنتج منه أنَّ كثرة ذكر الموت تبني شخصية متأهبة قد شدّت أزرها بالأعمال الصالحة، وأخذت حذرها
1002