الدور العماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ١٬٠١٧الدَّوْرُ العُماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
ويظهر ذلك التكريم واضحًا جليًّا عند النظر في الأحكام التحسينية التي لا تتعلق بضرورة الحفاظ على وجود الجنس البشري أو رفع العسر والمشقة عنه، وذلك كوجوب الطهارة وستر العورة، وآداب الأكل والشرب، وتحريم الخنزير والخمر، وكتحريم بيع النجاسات والمفسدات. يقول الشاطبي: "وأما التحسينات، فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب المدنسات
التي تأنفها العقول الراجحات ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق" (الشاطبي 22/ 2). فمن مدخل التحسينات في علم المقاصد تحديدًا يمكن القول إن المصالح كلها سواء كانت ضروريات أو حاجيات أو تحسينات، يجمعها مفہوم الخير من حيث الوجود أي إيجابًا بإيجاده، ومن حيث العدم، أي: سلبًا بمنع حصول الشر وما ليس بخير، وقد جاء الأمر بذلك بمنطوقه بالأمر بفعل الخير وبمفهومه بمنع فعل الشر أو وجوده) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة الحج: 77]، فأخلاق الخير تدفع لفعل المصالح، بينما أخلاق السوء تبعث على المفاسد، وهذا يتصل اتصالا وثيقًا بالمبحث الثالث للفلسفة (الأكسيولوجيا) فلسفة القيم وبالتحديد فلسفة الخير، التي تُشَكِّلُ السمو في التصرفات من الأفعال والأقوال في مقابل الحق والجمال التي تشكل السمو في المعرفة (علم المنطق)، والسمو في الذوق علم الوجدان)، بينما يهتم علم الأخلاق بدراسة قيمة الخير. (صليبيا، 213/ 2 - 215).
مما سبق يتبين أن الخير والشر أمران نسبيان لدى البشر؛ يخضعان لتصورات أخرى تحددها المواقف من الوجود والتصور الكلي للكون والله والإنسان، فبناء على المعايير القيمية الوجودية تتحدد القيم الأخلاقية،
1017