الدور العماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ١٬١٦٩الدَوْرُ العُماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
ومع ذلك لا بد من القول إن سَوْق القيم ورصها في سياق القصيدة، سواء كانت مدحًا أم رثاء أم فخرًا، لا يعني بالضرورة الإقناع بها وصناعة التأثير، فذلك يعتمد إلى حد كبير على طريقة المعالجة الفنية التي تشي بقدرة الشاعر من ناحية إبعادها عن أسلوب المباشرة التي تفقد الشعر رواءه وإبهاره، وتنتحي إلى استخدام الصور والأخيلة والاستعارات والتشبيهات والكنايات التي تثير الخيال، وتبعث الدهشة وتشعر المتلقي بالجدة، فأسلوب المعالجة الفنية هو الذي يرشح الشعر ليكون ناقلا نشطا للقيم، أو ناقلا خاملًا لها، أو أن تكون القصيدة ميتة المبنى فيموت مع ذلك المعنى مهما كان مثاليًّا، فالشعر فن أخيلة وتصوير، وليس منبر، خطيب، فكلما اقترب الشاعر من الأسلوب الخطابي تراجع تأثيره وبهت إقناعه.
وطوال ثلاثة عصور شعرية (النبهاني، واليعربي، والبوسعيدي) كان الشعر في عمان متمثلاً لهذا المعنى محملًا به فشأنه شأن الشعر في الأقطار العربية الأخرى غلب عليه المديح إلى حد بعيد، بل امتدت العصور الزاهية للمديح أطول مما امتدت في الدائرة العربية العامة، وسبب ذلك أن تراجع المديح بعد عصور الازدهار يعود إلى كون الحكام ليسوا عربا يطربون للمديح، أو يكافئون عليه، ولذلك نأى الشعراء عن بلاطات الحكام، فانحسر شعر المديح، بينما ظل شعر المديح ممتدا في عمان طوال عصور الشعر؛ لأن الحكام ظلوا عربًا أقحاحًا يطربون للشعر ويكافئون عليه، ويقربون الشعراء من بلاطاتهم، بل إن بعض هؤلاء الحكام، أكانوا أئمة أم سلاطين وملوكًا، هم من
1169