الدور العماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٤٧٦الدورُ العُماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق،
المطلب الخامس: تمهيد في تمثل العمانيين لقيمتي الهدوء
والسمت
لم تكن القيم الأخلاقية في السياق العُماني مجرد شعارات دعوية أو
6
مفاهيم نظرية، بل كانت جزءًا متجذرًا من بنية المجتمع، نابعا من تفاعل عناصر متداخلة من الدين والثقافة والتربية والتاريخ. ومن بين هذه القيم يبرز الهدوء والسمت كسمتين أصيلتين في الشخصية العُمانية، وقد انعكستا في مختلف أنماط السلوك الاجتماعي، وفي صورة المسلم العماني الذي وصل إلى شعوب بعيدة، فمثل الإسلام بسلوكه لا بلسانه، وأثر في الناس بسمته قبل
دعوته.
لقد أسهم المذهب الإباضي - الذي يشكل أحد الأطر الفكرية والمذهبية الراسخة في سلطنة عمان – في ترسيخ مفاهيم التواضع، والسكينة، والانضباط، والبعد عن الانفعالات، وهي مفاهيم تتقاطع جوهريا مع الهدوء والسمت. فالخطاب الإباضي الكلاسيكي، كما يظهر في مدونات أئمته وفقهائه، يغلب عليه الطابع الرصين، والتعفف في اللغة، وميل إلى الحياد الهادئ؛ مما ينعكس على تربية الأفراد وتشكيل ذوقهم الأخلاقي (1).
وإلى جانب المؤثر الديني، لعب العامل الجغرافي والثقافي دورًا موازيًا، فطبيعة المجتمع البحري العُماني، وتاريخه التجاري الطويل، واحتكاكه بشعوب متعددة، فرضت عليه قيم التعايش والهدوء، وضبط الانفعال، باعتبارها عناصر ضرورية لاستمرار العلاقات والمصالح. ولهذا، نمت في
(1) السالمي، نور الدين عبد الله بن حميد. (1984).تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان (ج 1 - 2، تحقيق: محمد بن عبد الله السالمي). مسقط وزارة التراث القومي والثقافة.
476