الدور العماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٩٠٧الدورُ العُماني في تعزيز الأخلاق بين التنظير والتطبيق
التي ينظر إليها إلى الشعر الجاهلي من زاوية كونه مستودعًا للألحان العربية فقط، والنقد العربي في معظمِهِ اتَّخَذَ من الشعر الجاهلي أنموذجًا قُومَ الشعرُ اللاحق – إيجابًا وسلبًا – بحسب اقترابه منه في الطريقة الشعرية، وتناسى هذا النقد - حسب تعبير أدونيس - أن الشعر الجاهلي لم يكن مستودعًا للألحان فحسب، إنما كان أيضا مستودع المعارف والحقائق، وذلك يعني أن الشاعر الجاهلي لم يكن ينشد وحسب، وإنما كان يفكر أيضًا، وأن القصيدة الجاهلية لم تكن مصدر طرب وحسب، وإنما كانت أيضًا مصدر معرفة، فالمرتكز الأساس الذي يريد أن يصل إليه أدونيس هو أن الشعر الجاهلي لم يكن واحدًا، وإنما كان متعدّدًا، فالمسألة المفصلية عنده هي أنَّ هذا المتعدّد قلص في نموذج واحدٍ نُظِرَ إليه نقديًّا بوصفه نشيدًا، فغلبت قيم النشيد على طبيعة الشعر الجاهلي، وغلبت تبعًا لذلك معايير الشفوية الشعرية في تقويم الشعر، وفُصِل نتيجةً لهذا بين الشعرية والفكر، وهذا النقد عندما يرى من شاعرِ ميلا إلى الفكر كان يعدّه انحرافًا عمَّا سماه بـ (الطريقة العربية) في نظم الشعر، بل إن من ممثلي هذا النقد مَنْ أخرجوا أبا العلاء المعري من دائرة الشعر وسموه بالحكيم، ووقفوا من المتنبي موقفًا مشابها، وسمّوا أبا تمام مفسدًا للشعر العربي ولطريقة العرب، وينسى أصحاب هذا النقد أنهم هم أنفسهم مَنْ نقلوا وكرَّروا أنَّ الشعر لم يكن للعرب مجرد ديوان للألحان، وإنما كان ديوان علومهم، وشاهد صوابهم وخطئهم، وأصلًا يرجعون إليه، ففيه الحق والحكمة، وهو مجنى ثمر العقول، وهادٍ، مرشد، وواعظ مثقف، ومخلد
907