بلسان عربي مبين
الجزء ١ · صفحة ١١بلسان عربي مبين
11
له أقامهم على طريق التاريخ التي مرت فيها الأمم، وطرحت عليها نقائصها فكانت غبارها، وأقامت فضائلها فكانت آثارها؛ فجعلوا يبنون عند كل مرحلة على أنقاض دولة دولة، ويرفعون على أطلال كل مذلة صولة، ويخيطون جوانب العالم الممزق بإبر من الأسنة، وراءها خيوط من الأعنة؛ حتى أصبح تاريخ الأرض عربيا، وصار بعد الذلة والمسكنة أبيا، واستوسق لهم من الأمر ما لم ترو الأيام مثل خبره لغير هؤلاء العرب، حتى كأنما زويت لهم جوانب الأرض، وكأنما كانوا حاسبين يمسحونها؛ لا غزاة يفتحونها؛ فلا يبتدئ السيف حساب جهة من جهاتها حتى تراه قد بلغ بالتحقيق آخره، ولا يكاد يشير إلى قطر من أقطارها إلا أراك كيف تدور عليه الدائرة» (1).
وكم حير الألباب ببيانه المدهش حتى أولئك الذين لم يكونوا عربا، وإنما كانوا من شعوب أخرى رقت معارج الحضارات وخبرت الفلسفات وأتوا بكل ما هو غريب، ولكنهم عندما ووجهوا بالقرآن أدركوا هذه الروح التي تسري فيه والتي خلا منها كل كلام فكم تحدث المستشرقون عن هذا السر الغيبي الذي وجدوه في هذا الكلام الإلهي كما في قول كثير من
(1) مصطفى صادق الرافعي: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص 61، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 8: 1425 هـ / 2005 م.
الرئيسية 19
المحتويات =