الدرر المنثورة في شرح الحكمة المأثورة لأبي مسلم البهلاني مسعود بن محمد بن مسعود المقبالي

الدرر المنثورة في شرح الحكمة المأثورة

الجزء ١ · صفحة ٣

قال الشيخ رحمه الله ونفعنا بعلومه في الدارين آمين:" وفي الأثر: " لا تحمل نفسَك على الطاعة فتَعْيَا "، وفي هذا المقام تفصيل يجب العلم به:

أوّلاً: مراد الأثر النهي عن تحميل النفس مشاقّ الطاعة لئلّا تنكسر وتعيا عمّا قلّ وكثُر وخَفّ وثَقُلَ، لأنها مطيّةٌ قُدرَتُها محدودة واستِطاعتها مُقَدّرة، فإِنْ جَبَرها نشأت من الجبر السآمة والمَلَلُ، وقيّدها الضعفُ والكسل، فانكسرت وقَصُرَتْ عمّا يعهد منها من المرابطة على أعمال الخير واكتساب التجارة الرابحة، وربّما انكسرت انكساراً فاحِشاً فثبّطت عن اللوازِم فضلاً عن الوسائل، وربّما ساقها التجميم والإراحة إلى تقصير تتلافاه وصالحٍ تَدَّخِرهُ ونَدَمٍ تستشعِرُه ومسارعةٍ في الخيرات تستديمها.

ثانياً: لو تَرَكَ جبرَها على التكاليف من الوسائل، وأرسلها حبلُها على غاربها، خشي منها التثاقل طبعاً عن إحياءِ سُنَنِ الخير، والتمادي في غير جدوى، حتى تشتدّ عزيمتها وتجمح بلا زمامٍ ولا لجام في أودية الهوى، فتغلبه حينئذٍ عن إتيان الخير؛ فالواجب هنا -ولا أقول: الأفضل- جبرها على محابّ الله حَدّ القدرة مهما شَقَّ عليها، ما لم يخرج عن حدّ الطاقة، فإنَّ تَرْكَها على محابّها لا يزيدها إلّا تمادِياً في الهوى وفتوراً عن الصالحات وظلمةً في القلب وعُدُولاً عن اقتناءِ الذخائر النافعة يوم لا ينفع مال ولا بنون، نعم للجبر والحَمْل فُرَصٌ وحالاتٌ كهذه الآفة فلا علاج لها إلا الجبر.

ولِتَوَخي حالات النشاط مواقع وفرص فلا يجبرها عند معارَضَة العاهات الّتي تنتقض بها عن حالات المكنة لما تَعَوّد منها في حال العافية والانقياد منها والنشاط، فمع العاهة العارضة لا يؤمَنُ من تحميلها المشقّة انكسارُها عن كثيرٍ ممّا يرجوه منها في حال تجميمها وتَعْفِيَتها، فتعوجّ عليه في الرياضة عن سبيل ما كان يعهده منها من المُساعَدةِ فتعيا كما قيلَ.

والحكيم النطاسِيّ يعطي كُلّ مرضٍ حقه من العلاج بما يراه أنجح وأنفع، فربّما عالج بالكيّ والبَتْرِ والشّقِّ والقطع وكثرة الرياضة والتعب، وربما عالج بالماءِ المثلَّج والدَعَةِ والراحةِ والسكون والأغذية الصالحة والروائح العطِرة، بما تقتضيه حكمته ممّا يصلح علاجاً لذلك المرض. وهذا باب واسع حقّقه أطبّاء النفوس، وحكماء القلوب من علماءِ الآخرة.

٣ / ٥