الظل المديد دروس من حياة داهية العلماء أبي عبيد
الجزء ١ · صفحة ١٤ويبني بهاماتها معقلا: رفيعا به المجد قد توجا
وربما طعم أجوبته أحيانا بشيء من الإطراء والثناء المليح تشجيعا لطالبه وحثا له للسير قدما في مدارج العلم وتحصيله، ومن ذلك قوله للشيخ سليمان بن سعيد بن ناصر الكندي:
جوابا للفصيح أبي سلام: يرى منه المراشد والنجاحا
أتانا من سليمان نظام: يحلي أنجم الجوزا وشاحا
رويدك يا فصيح القطر هون: فقد أصبحت تقترح اقتراحا
أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:
ومن جهوده الإصلاحية أنه كان رحمه الله آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وهي سيرة كملة الرجال وخيار الأمة، فبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستقم أمر الأمة ويصلح حالها وبتركه يصيبها الويل والنكال وشتات الحال.
ومن ذلك ما ذكرته الفاضلة المقدمة على كتاب هداية الأحكام – وهي من أحفاد الشيخ – حيث قالت:" وقد كان كثير من الناس يصلون في الأودية ولا يذهبون للمساجد، وعندما تولى القضاء منع ذلك، وأمر الناس بالصلاة في المساجد فقط، ونشر العساكر في الأودية يراقبون المتخاذلين عن المشي للمساجد ليخبروه عنهم فيستدعيهم ويأمرهم بالصلاة في المساجد بدل الأودية، فضجت المساجد بالمصلين وعمرت بهم.
ولعل من أجمل ما يحكى عنه من أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر تلك القصة التي حدثت معه أثناء سفره للحج، عندما قابل في الباخرة رجلا باكستانيا مسلما حافظا للقرآن غير أنه ابتلي بشرب الدخان، فكان كل ليلة يصعد إلى أعلى الباخرة لينفث دخانه، فضايق ذلك أبا عبيد لما رأى في ذلك الرجل الفاضل من صلاح، فذهب إليه في إحدى الليالي وسأله عن دخانه الذي يشربه أين هو، فاستغرب الرجل لماذا يسأله أبو عبيد عن ذلك!! فطل منه أبو عبيد أن يحضره ففعل الرجل وهو في حيرة من أمره، وبعد أن أحضره طلب منه أبو عبيد أن يشعل دخانه ففعل، فأخرج أبو عبيد مصحفا كان يحمله داخل ثيابه وطلب من الباكستاني أن يقرب منه الدخان، فسأله الرجل لماذا؟! فقال أبو عبيد كي أبخر المصحف وأطيبه به، فاستغفر الباكستاني من كلام أبي عبيد، وسأله كيف يبخر كلام الله بهذا الدخان؟! فقال له أبو عبيد ذلك ليس بغريب فأنت تفعل ذلك طوال الوقت، تحضر هذا المصحف وتبخره بهذا الدخان السام المحرم، فسأله الرجل: كيف؟! فرد عليه بأن تحفظ كلام الله عن ظهر قلب في صدرك هذا، ثم تبخره بهذا الدخان السام الذي تملأ به صدرك فتمازج به القرآن، فبكى الرجل واستغفر على ما كان منه وقرر ألا يعود للدخان مرة أخرى "، وله رحمه الله مواقف كثيرة من هذا تدل على عظيم توقيره لحدود الله وتعظيمه لحرماته.