الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٦٤النخلة في أدبيات التربية عند الشيخ محمد علي دبون
162
وكفاه شركاؤه الذين كانوا أجراءه أمر التجارة، فإنه يعكف على فلاحة بستانه، لا يركن إلى الكسل والملذات (1) ولم يكن إحياء أرض موات بالأمر الهين بل كان يتطلب جهدا متواصلا حتى لا تضيع الجهود، كما يتطلب أيضا نفقات باهظة؛ إنَّ المسألة ليست مادةً فحسب، بل مبدأ حبّ الوطن وعمارته يغذي روح التحدّي والإصرار، وإنك لتعجب كيف أن صاحب البستان مع كدحه ينفق نفقات طائلة على الفلاحة من تجارته إن الفلاحة لا تكفي نفسها، إنها عبء ثقيل
على صاحبها، ولكن عمارة البلد واجبة.
ولم تُثن الصعوبات كلُّها المزابي عن الفلاحة بل "الفلاح
المزابي يقضي كل نهاره وجزءا كبيرا من ليله في حقله وبستانه في وأعمال مضنية، يخدم الأرض ويهيئها للزراعة، ويصلح زروعه،
ويسقيها من الآبار العميقة، ينزح منها بجمله أو بغله أو حماره أو
كليهما، وقد يكون فقيرا مدقعا لا يطيق ثمن دابة ومؤونتها فينزح
الماء
بساعديه، يجر الدلو الكبيرة التي تسع ثلاثين لترا وأكثر .. لا يرده الصيف بحره القاتل ولا الشتاء ببرده القاسي وببرده الشديد عن عمله، وقد قدر بعض العلماء ما يقطعه الفلاح المزابي أمام بئره في النزح
1 - دبوز محمد علي أعلام الإصلاح في الجزائر؛ 92/ 1.