الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٤٦آليات الكتابة التاريخية وسبل التحقيق في فكر الشيخ محمد علي دبون
444
"لا يتحدد بأحكامه العينية بقدر ما يعرف بمنهجه المبني على أن
الحقيقة موجودة كاملة في مكان ما وفي زمن ما. يكشف عنها من حين إلى حين ودفعة واحدة. ويترتب عن ذلك أن المثقف التقليدي ينفصل عن محيطه ولا يكون له تأثير في مجتمعه: "المثقف عندنا لا يتحرر فعلا، فلا يعين مجتمعه على التحرر لأنه ينفصل دائما عن المحيط الذي يعيش فيه وينتقل إلى عالم ماض يجعل منه الحقيقة
المطلقة".
في مقابل ذلك يدرك الفرد، الذي اكتسب وعيا تاريخيا، أن الإنسان هو صانع التاريخ كما يقتنع بأن التطور التاريخي يسير
في
الفكر
اتجاه واحد من الماضي إلى المستقبل). وبذلك يصبح أداة للتقدم والتطور طفرة واقتصاد الزمن) لأنه يعطي للعمل
التاريخي منطقا ومفعولية، لأن الفكر التاريخي هو الذي يحرر المرء من الأوهام ويوجهه نحو الواقع والإنجاز.
لقد مثل الفكر التاريخي بالنسبة إلى الشيخ "مقياس المعاصرة " لأن التحرر من أوزار المستعمرين لن يتحقق إلا إذا اكتسب العرب وعيا تاريخيا ومن دونه "تغرق كل فكرة في بحر الحاضر الدائم، أي ترجع إلى أرضية الفكر الاستشراقي”. ولذلك تظهر التاريخانية اليوم بدعاتها بوصفها الوسيلة المثلى التي تمكن العرب من تجاوز حالة
- ابن خلدون: المقدمة، تحقيق حامد أحمد الطاهر، دار الفجر، القاهرة، 2004 م، ص 12.