العلاقات السياسية والثقافية بين المشرق والمغرب في عهد الدولة الرستمية
الجزء ١ · صفحة ٤٩الفصل الثاني:
العلاقات السياسية بين الخلافة العباسية والدولة الرستمية
المبحث الثالث: دور الأغالبة في العلاقات بين الدولة الرستمية والخلافة العباسية:
في شهر جمادى الثاني من عام 184 هجري الموافق لعام 800 ميلادي،
تأسست
في
منطقة إفريقية إمارة ذات حكم وراثي على يد إبراهيم بن الأغلب. سعت هذه الإمارة الوليدة بقوة نحو الاستقلال عن الخلافة العباسية في بغداد. وقد تجسد طموح الدولة الجديدة للاستقلال، والذي يمكن اختصاره بحروف (ب. غ. ل. أ)، في شخص الأغلب نفسه. لقد استغل الأغلب حالة الاضطراب والفوضى التي كانت تعم إفريقية ليقيم إمارته الأغلبية، وذلك تحت مظلة الشرعية التي منحتها له الخلافة العباسية.
تجدر الإشارة إلى أن الأغلب كان من أبرز القادة في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور،
واستمرت هذه المكانة في عهد ابنه الرشيد، الذي منحه رسمياً ولاية الإمارة على إفريقية. إن علاقة التي بين الأغالبة والمشرق الإسلامي كانت في إطار الولاء للخلافة العباسية والارتباط بها، وكذلك فإن علاقتهم مع دول المغرب، تأثرت بشكل واضح بعلاقة هذه الدول بالخلافة العباسية، وقد حدث أول احتكاك بين الأغالبة والرستميين زمن الأمير إبراهيم بن الأغلب المؤسس 2، وكان معاصراً للإمام عبد الوهاب الذي خلف والده عبد الرحمن بن رستم، وسببه أن برير هوارة الإباضية ما فتئوا يثيرون الاضطراب والفتن، للانفصال عن الأغالبة والانضمام للرستميين، وقد هب عبد الوهاب بن رستم التحقيق بغيتهم، مستعينا بقوة نفوسة، وترجع بعض المصادر اشتراكه في حرب بني الأغلب إلى رغبته في إنقاذ هوارة من بطش عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب لما في إغاثة القادر للمظلوم من الثواب الجزيل 3.
وصل الإمام عبد الوهاب إلى مدينة طرابلس، حيث كان يحكمها عبد الله بن إبراهيم. فرض الإمام حصارًا على المدينة، بينما أغلق عبد الله مدخل زناتة، واتخذ من باب هوارة موقعًا للدفاع. استمر الحصار لفترة طويلة، وتحديدًا في عام 196 هـ. كانت طرابلس مدينة حصينة للغاية، مما أطال أمد الحصار.
لكن فجأة، وصلت إلى الإمام عبد الوهاب أخبار غيرت مسار الأحداث تماما: وفاة إبراهيم بن الأغلب. عندما علم المحاصرون وابنه عبد الله بهذا الخبر، توصل الطرفان إلى اتفاق نص الاتفاق على أن تؤول ملكية المدينة والساحل إلى المسودة، بينما تكون المناطق الواقعة خارجها
•
محمد الطالبي: الدولة الأغلبية التاريخ السياسي، 184–296 هـ /800 - 909 م، تح: حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، ط 2، بيروت، لبنان، 1415 هـ 1995 م، ص 5. 2 الأمير إبراهيم بن الأغلب: هو مؤسس الدولة الأغلبية في شمال أفريقيا. تولى الحكم عام 800 ميلادي بتعيين من الخليفة العباسي هارون الرشيد وحكم من مدينة القيروان. اشتهر بتأسيس حكم وراثي قوي ومستقل نسبيًا، وبداية فترة ازدهار ثقافي وعمراني في المنطقة.
3 محمود إسماعيل: الأغالبة 184 296 هـ سياستهم الخارجية عين الدراسات والبحوث، ط 3، الهرم، 2000 م، ص 101.
42