العلاقات السياسية والثقافية بين المشرق والمغرب في عهد الدولة الرستمية
الجزء ١ · صفحة ٥٠الفصل الثاني:
العلاقات السياسية بين الخلافة العباسية والدولة الرستمية
تحت سيطرة الإمام عبد الوهاب. وبعد هذا الاتفاق، عاش الإمام عبد الوهاب فترة من الهدوء
والاستقرار 1.
بالفعل، على الرغم من أن الرستميين فرضوا على الأغالبة سياسة التعايش السلمي بقوتهم، إلا أن هذا التعايش تعرض لتهديد خطير بقيام أبي العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم سنة 227 هـ ببناء مدينة العباسية بالقرب من تيهرت.
هذا البناء، الذي هدف إلى منافسة تيهرت تجاريًا واتخاذها قاعدة عسكرية متقدمة للهجوم على عاصمة الرستميين، اعتبر مساسًا بمبدأ التعايش السلمي. ونتيجة لذلك، لم يجد الرستميون بدًا من الدفاع عن أنفسهم ومصالحهم، حيث قام الإمام أفلح بن عبد الوهاب بتخريب مدينة العباسية الجديدة. هذا الفعل يوضح أن الرستميين اضطروا في كثير من الأحيان إلى اللجوء للقوة لحماية وجودهم ومواجهة أطماع الأغالبة.
بالنظر إلى الأوضاع آنذاك، اتخذ الأغالبة منحى آخر للتخلص من خصوم الخلافة العباسية. فقد سعوا إلى إذكاء الفتن والانقسامات الداخلية في دولة الرستميين. وساعدهم على تحقيق ذلك وجود مجموعة من الأشخاص الذين لجأوا سياسياً إلى الدولة الرستمية، والذين استغلهم
الأغالبة في إثارة الاضطرابات بين الحين والآخر. 3
وقد تجلى ذلك بوضوح في فترة حكم أبي بكر بن أفلح الممتدة من 258 إلى 261 هـ)، عندما قام خلف الخادم، وهو مولى تابع للأغلب بن سالم، بتحريض سكان تيهرت مستغلاً مقتل محمد بن عرفة كسبب لذلك. وكان محمد بن عرفة شخصية نافذة وقوية، يتمتع بثروة كبيرة، كما كانت زوجة الإمام أبي بكر إما ابنة أو أختًا لابن عرفة، وكانت أخت الإمام متزوجة منه أيضًا. هذه المصاهرة القوية عززت نفوذ ابن عرفة بشكل كبير، حتى أن الإمارة كانت اسميًا لأبي بكر، ولكن سلطتها الحقيقية كانت في يد محمد بن عرفة. وعندما أدرك أبو بكر مدى نفوذه، دبر مكيدة
لقتله 4.
وقد استمرت هذه الفتنة لعدة سنوات، وتمكن أبو اليقظان الذي خلف أبا بكر وحكم من 261 إلى 281 هـ من القضاء عليها في النهاية، ولكن بعد صعوبات كبيرة.
1 شماخي: المصدر السابق، ص 141.
2 ابن خلدون مصدر السابق، ص 256.
3 ابن الصغير: المصدر السابق، ص 71.
4 الباروني: المرجع السابق، ص 277، وينظر: أيضا محمد بوركبة: المرجع السابق، ص 117.
43